⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنه مما هو معلوم أن هذا الدين دين يوافق الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، ولذلك فإنه يلبي لهذا الإنسان مطالب الروح ومطالب الجسد، يلبي مطالب العاطفة كما يلبي مطالب العقل والفكر، يلبي مطالب الوجدان كما يلبي له أيضًا ويبصره بما يشبع به رغبات نفسه وبما يملأ له وبما يحقق له يقظة ضميره.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
ومن هذا المنطلق فإن كل ما يتوافق مع فطرة هذا الإنسان مما يلبي له مطالبه لا ريب أنه مما شُرع في هذا الدين، لأن فيه صلاحًا لهذا الإنسان، صلاحًا للفرد كما أن فيه صلاحًا للجماعة أيضًا.
نعم، ولا يمكن أن تستقيم حياة الناس دون أن يكون فيها الجد كما يكون فيها ساعات لترويح القلوب، ولأن كان هذا الدين يريد أن يصوغ من شخصية المسلم شخصية متوازنة ذات هوية مميزة، فإن من معالم هذه الهوية أن تكون شخصية المسلم شخصية متفائلة في هذه الحياة، ولذلك فإن الفأل الحسن كان مما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الحياة هانئة باسمِة، وأن يلاقي المسلم فيها صروفها ولواها ومشاقها برحابة صدر وبثغر باسم، لأن القلب موصول بالله سبحانه وتعالى، ولأنه يعلم أن كل ما يصيبه إنما هو ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، فإن شكر كان له جزاء الشاكرين، وإن صبر فإنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب.
فلذلك نجد أن ترويح القلوب هو من مطالب هذا الدين، ولا يمكن أن تستقيم حياة الناس دون مساحات لترويح قلوبهم، هذا ما نجده موافقًا لهذه الآية الكريمة التي تلتها: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وهذا ما نجده أيضًا في جملة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كحديث حنظلة حينما خرج من داره فوجد أبا بكر الصديق رضي الله عنه فسأله عن حاله، فقال: نافق حنظلة. فقال: كيف ذلك؟ قال: إنا نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر لنا الجنة والنار، ثم إنا نأتي إلى الأهل والأولاد والضِّياع فننسى ما كنا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وإني لأجد ذلك. فذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سأله ما ذكر له حنظلة ما كان قد ذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: «لو تدومون على ما تكونون عليه معي من الذكر لصافحتكم الملائكة، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة»، وكررها ثلاثًا.
مما يدل على أن هذه القلوب هي بحاجة إلى الترويح ساعةً إثرَ ساعة؛ لأنها إن كانت في ذكر وعبادة دائمين فإنه يمكن أن يصيبها الفتور والكلال والملل والسآمة. نعم، أما إذا ما كانت تراوح أو تستريح قليلا، واستراحت تلك إنما تكون أيضًا باللهو المباح وبالاستمتاع بالطيبات التي أباحها الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك مما هو مشروع في هذا الدين، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي يؤكد ذلك.
وأما هديه وسيرته الفعلية، فإن من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسع الناس خُلُقًا، وكان أكثرهم حِلمًا، وكان أقدرهم على العطف على الصغير وعلى توقير الناس جميعًا وعلى معاملتهم بالحسنى، ولذلك فإنه كان يُباسِط في الحديث، وكان يلين لهم القول، وكان يشاركهم همومهم وآلامهم، يشارك الصغير والأمَّةَ والكبيرة، كما يشارك أيضًا كبار صحابته رضوان الله تعالى عليهم.
كان يعامل أهل بيته بمعاملة هي غاية في الرفق وفي الرحمة، كان يلاطف أهل بيته، وكان يمازح صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وكانوا يمازحونه ويقبل منهم ذلك، إلا أنه في مزاحه ذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًّا.
ومن جملة هذه الأحاديث التي قد نعرض لها بمشيئة الله تعالى يتبين أن هناك مساحة للترويح عن القلوب باللهو المباح، وهذه المساحة هي مما مَأذونٌ بها، وهي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، طالما أنها كانت محققةً لهذه الغاية التي نتحدث عنها وهي ترويح القلوب حتى لا يصيب القلوبَ الفتورُ والسآمةُ والكلال.
ولذلك فإنها مقيدة بأن تكون في إطار الحق والصواب، وألا يكون فيها استهزاء وتحقير بمسلم أو لمسلم، لأن هذا مما يتعارض مع كتاب الله عز وجل ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما كتاب الله فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11].
وأما اشتراط أن يكون كل ذلك المزاح وترويح القلوب واللهو المباح إنما هو في إطار الصدق وفي حدوده، فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يكذب في الحديث ليضحك الناس: «ويلٌ له، ويلٌ له».