⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: الأصل فيما نتحدث فيه من ترويح القلوب ومن المزاح واللهو المباح أنها أمور من المباحات، وفطرة الإنسان لا تستغني عنها، وقد قلنا: إن لها مقاصد، فإن هذا الترويح وذلكم المزاح الذي كان يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، سواء كان لتخفيف حالات الكرب التي يمكن أن تعتري المسلمين، أو كان لأجل إدخال السرور على نفوس المسلمين، أو كان لأجل إضفاء شيء مما يجدد الإيمان في النفوس، فبمختلف الاعتبارات والمقاصد إنما لهذا اللهو ولهذا الترويح غايات ومقاصد، ويتحدد ثواب المرء منها بحسب نيته.
نعم، فهذه المباحات ينال بها المرء الأجر والثواب حينما يُحسن نيته لله سبحانه وتعالى، وحينما يلتزم أيضًا بآداب وشروطها.
ولهذا قد نفهم السبب الذي يجعل كثيرًا، خاصةً ممن كتب –كما تفضلت– في الزهد وفي الرقائق وفي تزكية النفوس، لا يضع أطرًا شرعية لهذا اللهو المباح؛ لأنه في الحقيقة هو من المباحات، وبالتالي فهو مندرج في الضوابط العامة التي تندرج فيها المباحات: كالأكل والشرب، وكالسياحة في الأرض، وكالنظر في آيات الزينة المبثوثة في هذا الكون، كل ذلك إنما يُراد منه أن يحقق شخصية متوازنة معتدلة في تكوين هذا المسلم فردًا وجماعةً.
ولذلك فهو أصلًا في حدود المباحات، ولذلك فإنهم يذكرون الشروط أكثر مما يذكرون الوسائل والمقاصد، أو مما يذكرون التكييف الذي يتحقق به، لأن ذلك واسع.
نعم، لكن فعلا حينما ننظر أيضًا إلى الجانب المقابل نجد أن واقع الناس –للأسف الشديد– هو بين إفراط وتفريط؛ فمن الناس من جعل كل حياته لهوًا ولعبًا في مقابل هذا الصنف الذي تشيرون إليه ممن يظنون أن لا مساحة أبدًا لترويح القلوب ولبسِمِها بالصدق والحق.
تجد –كما قلت– أن الدهماء من الناس، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأمة في تأخر عن باقي الأمم، وفي تخلف في مختلف العلوم والمعارف، تجد أن التوجه إنما يكون للهَوْلَهْوِ وأنواع الترف والتسلية بصورةٍ مبالغٍ فيها، وكأنه هروب من الواقع، وهذا وضع مؤسف؛ لأن الأمم لا يمكن أن ترقى حينما تفرط في اللهو وتخرج عن حدود الاعتدال.
كما أن أيضًا في المقابل الإفراطَ والظنَّ بأن اللهوَ والتسليةَ هي مما يتنافى مع الصلاح ومع الاستقامة هو أيضًا فهم خاطئ يؤثر على الصورة التي جاء بها هذا الدين عن تعاليمه.
فإن الحديث الذي أشرتم إليه على سبيل المثال –وهو لعب الحبشة بحرابهم في المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم، وأذِن للسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أيضًا أن تنظر إليهم– وحديثه أيضًا في نفس هذه المناسبة، في نفس هذه الحادثة: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إنما بُعثت بالحنيفية السمحة»، هذا الجزء هو الذي فيه الخلاف، لا الجزء الأول من الحديث، لأنه روي في عدد من الصحاح والسنن والمسانيد، إلا أن هذا الجزء فيه خلاف، وكثيرٌ من أهل الحديث الذين اشتهروا بالتشدد في الصنعة الحديثية يُحسِّنون هذا الجزء من الحديث أيضًا.
نعم، الخلاصة: أنه بين هؤلاء وأولئك لا بد من المنهج القاصد.
فحينما ننظر على سبيل المثال في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناسبة من المناسبات، نجد أنه في حصارهم للطائف –كما في رواية ابن عمر عند الإمام البخاري– لما طال الحصار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنا قافلون غدًا إن شاء الله». فقال طائفة من أصحابه: لا نبرح حتى يفتح الله لنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاغدوا إذًا». فغدوا إلى القتال، فأصاب قتالًا شديدًا وجراحًا كثيرة، فقفلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنا قافلون غدًا إن شاء الله»، فلم يتكلم أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك صلى الله عليه وآله وسلم –قال الراوي– حتى بدت نواجذه.
وكذا الحال مثلًا –الموقف موقف عصيب، موقف عصيب– ولكن أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى شدة ثبات أهل الطائف وأن لا جدوى من الحصار، وكان يعلم النتيجة سلفًا، يعلم أن هذه الرغبة في مواصلة الحصار لن تؤدي إلا إلى مزيد من المشقة في صفوف المسلمين، إلا أنه أراد لهؤلاء من صحابته الكرام الذين يرغبون في الاستمرار في الحصار علَّهم يتحقق، علَّ النصر يتحقق لهم، أراد لهم أن يروا ذلك عيانًا، ولذلك فإنه في اليوم التالي لما عادوا بعدما أصيبوا بجراحات كثيرة وقالوا ما قالوا، كان منه صلى الله عليه وسلم ذلكم الضحك.
وهذا نجد في مناسبات أخرى كانوا أيضًا يمازحون؛ يعني في إحدى غزواته صلى الله عليه وسلم، وكانت قد نُصبت له قبة صغيرة، فأتاه أحد صحابته، ويقال بأنه عوف بن مالك الأشجعي، فسلّم عليه، فرد عليه السلام، فاستأذن: «أأدخل يا رسول الله؟» أو كما قال، فعلق عوف بن مالك وقال: «أكُلِّي يا رسول الله؟» أي: أدخل كلِّي؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «نعم كُلُّك».
إذاً العودة الآن إلى خلاصة جواب ما سألتم عنه: إن إهمال أو تقصير عدد من أهل العلم في وضع آليات لتكييف اللهو المباح وترويح القلوب إنما يرجع إلى كونه أساسًا من المباحات، وإلى أنه لا يمكن أن يُحدَّ بضوابط وبمناسبات وبكيفيةٍ معيَّنة، لأن ذلك مما تقتضيه الظروف والأحوال عادةً.