⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن الإسلام يدعو الناس إلى تثمير أموالهم وإلى تنميتها لما في ذلك من صلاح أحوال الناس، ولأن المال هو قِوام حياة بني البشر، ولذلك فإن هذا الدين طلب من أتباعه أن يسعوا في مناكب هذه الأرض وأن يبتغوا من فضل الله عز وجل، وأن يتجهوا إلى اكتساب الحلال الطيب وإلى الإنفاق من هذا الحلال الطيب حيث أمرهم ربهم تبارك وتعالى.
ولما كانت عجلة الزمان تدور فإن أنواعًا من تثمير هذه الأموال وتنميتها تظهر بتطور حياة الناس، ومن هذه الأنواع التي ظهرت اليوم تثمير الأموال في الأسهم، وهي كما تفضلتم على أنواع؛ فإن من الناس من يشتري أسهمًا في شركات ثم إنه يقصد من شرائه لهذه الأسهم في أسواق المال أن يتحيَّن الفرصة التي ترتفع بها أسعار هذه الأسهم ثم يبيع، وهذا يسمَّى في اصطلاحات أسواق المال بالمضاربة، وللزكاة كيفية معيَّنة تختلف في الحقيقة عن زكاة ذلك الذي يدخل مساهمًا في شركة من الشركات في رأس مال شركة تمَّ طرح أسهمها، طرح رأس مالها للاكتتاب، فيدخل هذا وهو يرغب في تثمير أمواله لكي يكون تثميرًا طويل المدى، فينتظر نهاية السنة المالية لتلكم الشركات، ثم إن كانت هذه الشركات قد ربحت فإنه يأخذ بمقدار أسهمه التي شارك فيها نسبةً تتناسب مع هذه الأسهم من الأرباح، وإن – لا قدَّر المولى – خسرت هذه الشركة فإنه يتحمَّل أيضًا من الخسارة بمقدار ما كان له من أسهم فيها.
وتلخيصًا أو جمعًا لكيفية تزكية النوعين نقول: بدايةً إن الطريقة الأولى أن تتولى هذه الشركات تزكيتها، نعم، هي أن تقوم هذه الشركات بتزكيتها، فتغني الشركة المساهمين فيها – سواء كانوا مضاربين أو كانوا مستثمرين طويلي المدى – تغنيهم كُلْفة حساب ما يجب على كل واحد منهم؛ فتُخرج هذه الشركات زكوات أموالها، وعندها تبرأ ذمَّة المساهمين في هذه الشركات من مسألة الزكاة.
فإن لم تفعل الشركات ذلك، أو لم يفعل سوق المال ذلك، فإن ذمَّة المكلَّفين المساهمين في هذه الشركات لا تبرأ إلا بإخراج زكاة أموالهم؛ فإن كانوا من الصنف الأول – أي إن كانوا بحسب اصطلاح أسواق المال اليوم مضاربين، أي إنهم يبيعون ويشترون في الأسهم يتحيَّنون فرص ارتفاع مؤشرات بعض الشركات لكي يبيعوا أسهمهم ثم يشتروا في شركات أخرى ويتحيَّنون الفرصة بعد ذلك مرة أخرى لكي يبيعوا، وهكذا – فإن هؤلاء يزكّون زكاة عروض التجارة؛ بمعنى أنهم يحسبون القيمة السوقية لأسهمهم في آخر الحول، ثم يزكون كلَّ ذلك بإخراج ربع العشر منه، أي اثنين ونصف بالمائة.
فهذا النوع يحسب كل ما تجمع لديه في آخر الحول من أسهم مسجَّلة باسمه، فيحسب قيمتها السوقية، أي قيمتها في اليوم الذي يريد أن يخرج زكاة ماله فيها، وهي – لا شك – تختلف إن كانت في عدَّة شركات، فإن أسعارها تختلف بحسب اختلاف أسعار أسهم تلك الشركات في أسواق المال، إلا أن ما عليه أن يفعله هو أن يجمع القيمة السوقية لكل الأسهم التي يملكها، التي هي مسجَّلة باسمه، ويخرج منها 2.5%.
مع أرباحها؛ لأنه هو يبيع ويشتري ولا ينتظر نهاية السنة المالية، بل لعله – في أغلب أحوال المضاربين – ينتظر قرب نهاية السنة المالية؛ لأن الشركات ذات الأرباح ترتفع أسعارها، ففي هذه الحالة هو يؤثِر أن يبيع أسهمه طلبًا لهذا الربح، فهنا الأرباح داخلة في قيمة السهم أساسًا.
أما الصنف الثاني الذي ثمَّر أمواله بشراء أسهمٍ من رأس مال شركة ما، فإن طريقة إخراجه للزكاة تختلف باختلاف نوع الشركة التي أسهم فيها؛ فإن كان رأس المال الذي أسهم هو فيه قُسِّم إلى أموال نقدية، ورأس مال جامد في الشركة، أو إلى أصول ثابتة كما في حالة المصانع، أو في شركات المواصلات – على سبيل المثال – أو في حالة شركات العقارات التي تؤجِّر عقارات، سواء كانت بيوتًا أو شققًا، أو كل ما يجوز تملُّكه شرعًا من العقارات، وتكون تجارتها في منافع هذه العقارات لا في أعيان العقارات، فإن رأس المال في هذه الحالة لا يُحسب، وإنما تُحسب الأرباح فقط.
أما ما يساوي النقود الموجودة في رأس مال الشركة من الأسهم التي أسهم بها هذا المستثمر، فإنها تُحسب في كل الأحوال؛ لأنها بمثابة النقود الموضوعة لدى الشركة.
أما الصورة الأخرى فهي أن تكون أسهمه لدى الشركة مما يُتاجر فيه في أي نوع من أنواع المتاجرة؛ فإذا ما كانت الشركة تمارس – مثلًا – نشاطًا صناعيًّا وتجاريًّا، فإنها تصنع وتبيع، فالمتوقَّع أن يكون رأس مالها – وجزء من هذا، وحصَّة من رأس المال هذا – هو من أسهم المشاركين، من أسهم من اكتتب في هذه الشركة؛ فإن جزءًا من هذا المال أيضًا هو في مقابل الأصول الموجودة لدى الشركة في تشييد المصانع والآلات التي تُستخدم للإنتاج، وجزءٌ منها في الاتجار بالبضائع التي تُصنَع.
فما كان مقابلًا للبضائع التي تنتجها هذه الشركة – أي ما كان من رأس المال المساهم به في الشركة تجري عليه عمليات البيع والشراء أيضًا – فإنه يُحسب أيضًا كعروض التجارة؛ فتكون الزكاة في الأسهم وفي أرباحها.
وهذه حالة نادرة، أو الحالة الوحيدة التي تقدَّمت، وهي أن تكون هناك أصول، والنشاط الذي تمارسه الشركة التي أسهم فيها صاحب الأسهم لا تمارس نشاطًا تجاريًّا، وبالتالي يكون حساب الزكاة في الأرباح فقط، لمن يقصد من شرائه أسهمًا في تلك الشركة الاستثمار الطويل – كما يقال – أو التثمير طويل المدى؛ فإنه في هذه الحالة لا يحسب إلا الأرباح.
وهي حالة نادرة يمكن أن تُتصوَّر بقطاع الاتصالات – على سبيل المثال –؛ قطاع الاتصالات رأس المال إنما هو في توفير ما يحتاجه توفير هذه الخدمة للناس، وبالتالي فإن حساب الزكاة إنما يتجه إلى الأرباح المتولدة من هذه الأسهم حين حَوَلان الحول على صاحب الأسهم.
وأيضًا هنا يُحسب – في الحالات التي يُلزَم فيها بحساب قيمة أسهمه مع أرباحها – يُحسب القيمة السوقية.
بقي أن هناك شرطًا لا بد من التأكيد عليه، وهو يتناسب مع المقدمة التي قُدِّم بها، وهي أن تكون المجالات التي تمارس فيها هذه الشركات المساهمة فيها من المجالات التي يأذن الشرع بتثمير الأموال فيها وتنميتها، وأن تكون معاملاتها موافقة لأحكام الشرع؛ ففي هذه الحالة يسري كل ما تقدَّم ذكره من تقسيم لأنواع، أو لكيفية إخراج زكاة الأسهم.