⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما كيف كان يصوم من كان قبلَنا فإن هذا لم يقم عليه دليل، لكنهم كانوا يصومون بنص هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي فُرض عليهم الصيام، ووجه الشَّبَه هنا في الفرض فقط، لا في الماهية ولا في الأحكام التفصيلية؛ نعم؛ إذ لا يلزم من المشابهة –يعني «كما كُتِب على الذين من قبلكم» هذه مشابهة– لا يلزم من المشابهة أن تكون في الأوجه كلها؛ يكفي أن يكون في وجهٍ من الوجوه، وهذا الوجه هو الفرض والإلزام؛ أن الأمم قبلَنا ممن أنزل الله تعالى عليهم شرائع قد أُمِروا بالصيام أيضًا؛ نعم.
أما كيف ومتى؟ فهذا يحتاج إلى دليل؛ نجد في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل الجاهلية –كما في حديث السيدة عائشة– كانوا يصومون عاشوراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصومه عليه الصلاة والسلام، ثم لما هاجر –أيضًا عليه الصلاة والسلام– وجد اليهود تصومه، فسألهم، فقالوا: هذا يوم نجَّى الله تعالى فيه موسى من فرعون فنحن نصومه، فقال: «نحن أحقُّ بموسى منكم»، فصامه عليه الصلاة والسلام.
الآن هو لم يسألهم عن… لم يأخذ منهم ابتداء الصيام، وإنما سألهم عن سبب صيامهم هم، وإلا فقد كان أهل مكة يعرفون صومَ عاشوراء، وكانوا يصومونه، وهم أهل جاهلية، وهذا من بقايا الحنيفية؛ فسأل اليهود عن سبب صيامهم هم، فبيَّنوا له ذلك، فبيَّن لهم عليه الصلاة والسلام أنهم أحق بموسى؛ أي أن أمته، أنه عليه الصلاة والسلام وأن أمته أحق بموسى منهم، فصامه –أي واصل صيامَه– إلى أن فُرض شهرُ الصيام، ثم اختلف من بعدُ ذلك، فالحاصل أن وجوبَه ارتفع –وجوبَ صوم يوم عاشوراء– موضع الشاهد هنا: أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء؛ فهذا صيامٌ كان عند أهل الجاهلية، وكان عند اليهود، وفي بعض الروايات أن اليهود والنصارى كانوا أيضًا يصومون، إذن من حيث الفرض فقد فُرض على الأمم قبلَنا.
…من حيث الماهية والتفاصيل فهذا –يعني– مجال بحث، نعم؛ بعض من تتبَّع كتب اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل فإنه –يعني– ذكر أنواعًا من الصيام موجودة عندهم، فيها ما هو صيام بالامتناع عن الأكل والشرب كما هو عندنا، وفيها أنواع أخرى، ولعل بعض الأنواع مما حرَّفوه، هذا مما يعسُر يعني الوصول إليه، لكن الحاصل: أنه بما دلَّت عليه الآية الكريمة فإنه قد فُرض على الأمم قبلَنا؛ نعم.
…كتب عليكم… كتب عليكم –كما ذكر السائل أو كما تفضَّلتم– إنه بمعنى فُرض؛ نعم. ما الفرق إذن بينها وبين «فُرض»؟
المتتبِّع لهذه الصيغة: «كتب عليكم» يجد أنها وردت في سورة البقرة فقط؛ نعم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾… والصيام… لا، أيضًا «كتب» ورد في القصاص: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، نعم، وورد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، وورد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، وورد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾… إلى أن قال: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؛ إذاً وردت في… ووردت في هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
هذه الأحكام –أولًا– يمكن أن نقول بأن هذه خاصة بسورة البقرة، أنها من الخصائص الفنية البيانية لسورة البقرة… أنا أعطي مفتاحًا لهذه القضية، وهي أن سور القرآن الكريم –وقد تحدَّثنا عنها قديمًا– أن سور القرآن الكريم لكل سورةٍ منها طابع لغوي فني يتناسب مع مقاصدها وأغراضها؛ نعم، يتناسب مع أسباب نزولها، يتناسب مع موضوعاتها التي وردت فيها، لكن هذا محل بحث طويل، نعم، وإنما هي إشارة فقط.
إذا أخذنا من هذا ونظرنا في هذه المواضع والأحكام سنجد أن هذه الأحكام التي فيها قدرٌ من الإلزام، وهذا الإلزام فيه نوع من المشقَّة –أي: فيها مشقَّة، فيها تكليف ظاهر– سنجد مع هذا أيضًا أن ممَّا عُرِف لدى الأمم السابقة: القصاص كان معروفًا، الوصية كانت معروفة، نعم، القتال كان معروفًا، والصيام كان معروفًا؛ جميل، فإذا هذا هو الذي يمكن أن يكون مشتركًا في استعمال هذه الصيغة في الأمر بالصيام؛ إنه يشترك مع الأحكام التي وردت بنفس هذه الصيغة في أنه كان معروفًا لدى الأمم السابقة قبلهم، والخطاب به جاء في هذا السياق لأجل تهيئة المخاطَبين من هذه الأمة لتلقي هذا الأمر الذي فيه تكليف وإلزام، تحمُّل مشقة، وإلزام يحمل مشقة لتتهيأ نفوسهم لقبوله.
…والله تعالى أعلم.