⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن بعض الأمور يمارسها جماعة من الناس بناء على معتقدات معينة، وهذه يجب أن تُعالَج من خلال معالجة تلك المعتقدات.
هو أشار إلى زيارة القبور، وأنا أقول بأن زيارة القبور على نوعين: أما أن تكون هذه الزيارة للاعتعاظ والادِّكار، فهذه لا مانع منها؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا فزوروها ولا تقولوا هجراً». وإنما عُنِّ عن زيارتها عندما كانت الأمة قريبة العهد بجاهليتها التي كانت عليها من قبل، وبعد ما رسخت العقيدة في قرار نفوسها، وتميَّز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والرشد من الغي، لم يكن هنالك ما يمنع من زيارة القبور لأجل هذه الغاية النبيلة، وهي الادِّكار والاتعاظ بمن قَلَّبَتْ بهم الأيام، أولئك الموتى، بعد أن كانوا يسكنون في رحاب القصور، وأصبحوا الآن تضمهم أجداث القبور، فهم انقلبوا من حال إلى حال، وهذا مصير ينتظر كل أحد، فالإنسان عندما يقف على قبر عليه أن يذكر الموت، فهذا أمر ليس فيه حرج.
وأما أن تكون هذه الزيارة لأجل طلب قضاء الحاجات من الموتى، والتوسل إليهم بأن يحققوا الرغبات، وأن يدفعوا المكاره، وأن يرفعوا البلاء، وأن يعطوا النعماء، فهذا أمر فيه خطورة، لأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.
فالله سبحانه وتعالى بيَّن لنا في آيات كثيرة من الكتاب العزيز بأنه له وحده السلطان القاهر، وبنفسه يصرف الأشياء، وينفذ ما يريد، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1]، و﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: 83]، وقد علَّمنا الله سبحانه وتعالى أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالدعاء وبالعبادة، عندما قال عز من قائل، تعليماً لعباده كيف يقومون بواجب العبادة وإفراد الله تعالى بها، وبواجب الاستعانة بالله وإفراده بها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا إياك.
فما كان لإنسان عاقل أن يطلب من أحد ميت بأن يقضي له حاجة، أو أن يحقق له مَأرَبَة، ونحن نرى في القرآن الكريم ما يدل على أن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، مع علو قدره، ورفعة مكانته، وقربه من الله سبحانه وتعالى، يأمره الله سبحانه أن يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فقد قال عز من قائل: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188]، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع هذه المنزلة وفي حياته لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم، بل كيف بالموتى في أجداث القبور يمكنهم أن يحققوا لأحد من الناس نفعاً أو يدفعوا عنه ضراً؟ إنما هذه في الحقيقة قضية ترجع إلى لَوْثٍ عقلية، عندما يعتقد الإنسان بأن بإمكان هؤلاء الموتى أن يدفعوا البلاء وأن يأتوا بالسراء.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16]، فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، فلا ريب أنه سبحانه هو الذي يصرف كل شيء، ليس لأحد أن يطلب من أحد أن يدفع عنه ضُرّاً، إنما يدعو الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110].
فكيف يترك الإنسان دعاء الله سبحانه وتعالى ويدعو المخلوقين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: 4]، هؤلاء ليس لهم شرك في هذا الكون، ليس لهم سلطان في الأرض ولا في السماء، إنما السلطان لله سبحانه وتعالى وحده.
فمن هنا يجب أن تُصحَّح هذه العقيدة بتبصيرٍ بأن الله وحده هو الذي يكشف الضرَّاء، وأن المخلوق كيفما كان، ولو علا قدره وارتفع شأنه، ليس له من الأمر شيء، الأمرُ كله لله. فالرسول صلى الله عليه وسلم هو أكرم الخلق على الله، الله سبحانه وتعالى يصفه بما لم يصف به أحداً من خلقه، عندما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، والعالمون جمع عالم، والعالم يصدق على كل ما كان علامة ودليلاً على وجود الله، ومعنى ذلك أن الكون كله مغمور بهذه الرحمة العظيمة، ولكن مع ذلك لم يجعل له من الأمر شيئاً، لم يجعله يملك لنفسه نفعاً ولا ضرَّه، فضلاً عن أن يملك ذلك لغيره.
وإذا كان هذا في حياته، فكيف به بعد مماته؟ وإذا كان هذا أيضاً بالنسبة إليه، فكيف بالموتى الآخرين في القبور، كيف يمكنهم أن يرفعوا بلاء أو أن يكشفوا ضرَّاء أو أن يحققوا منفعة لأحد من الناس؟ هذه أمور ترجع إلى العقيدة.
فعلى هؤلاء الذين يريدون الإصلاح في هذا أن يقوموا بتبصير الناس بإقامة الحجج والبراهين من كتاب الله، وأن يردوا الناس أولاً إلى القرآن، فإن أهم شيء أن يُبَصَّر الناس بالقرآن الكريم، لأن كثيراً من الناس عزفوا عن القرآن، وقدَّموا آراء الرجال على القرآن، وهذا أمر فيه من الخطورة ما فيه، فيجب تبصير هؤلاء ليعودوا إلى رشدهم من خلال تفهيمهم بوجوب الرجوع إلى القرآن وتفهيمهم بما دل عليه القرآن.