⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما ما يتعلق بصدقة الفطر، فإن الخلاف كان موجودًا: هل يُقتصر على ما نصَّت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يُؤخذ منها العِلَل الجامعة للأصناف المذكورة، أو يُلتفت أيضًا إلى بعض الروايات التي وسَّعت الدائرة، كنحو قوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم»، وكانوا يُسألون عن الطعام، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «طُعمة للمساكين» أو «طُهرة للصائم وطُعمة للمساكين».
فلما قال: "طُعمة" أُخِذ منه أن المقصود الطعام، والطعام في الأصل اللغوي وفي العُرف الشرعي هو ما كان مُقْتاتًا مُدَّخرًا، يمكن أن يكون قوتًا، يمثِّل قوتًا، ليس بإدام، ليس من المكمِّلات، وإنما هو من المواد الأساسية، ويصلح للادخار مدةً من الزمن؛ فهذا الجامع مع ما تقدم من أمر الطعام أُخِذ منه أنه يمكن أن يتوسع إلى أن تكون صدقة الفطر طعامًا من غالب قوت أهل البلد، ويقصدون بالقوت ما تقدم وصفُه من الاقتيات والادخار: أن يكون قوتًا، وأن يكون قابلاً للادخار مدةً، لا يفسد فيه فورًا.
لذلك لا مانع إذا وُجِد في مجتمعٍ من المجتمعات أنهم أصبح طعامهم نوعًا من أنواع هذه الحبوب –لنفترض على سبيل المثال ما نعرفه نحن بحَبِّ الهريس– لا مانع، وقد نصَّ عليه فقهاء لأنه مُدَّخر مُقتات. العدس في كثير من قرى الهند –وقد سألت بعض فقهاء الهنود المسلمين– فقالوا: نعم، يُخرجونه من العدس؛ لأنه مادة أساسية، غذاء، قوت، وهو قابل للادخار؛ فإذا نعم، يمكن أن يتسع النظر الفقهي؛ لماذا يتسع النظر الفقهي؟ لأن الأدلة الشرعية تحتمل ذلك.
هل يمكن أن يُقاس على هذا القياسُ في مسائل أخرى كالصلاة في العيد؟ لا؛ ما بُنِي على قياس فغيره عليه لا يُقاس، لكن يمكن أن يُنظَر في العلة في القياس، ويُنظَر هل تصدق في مواضع أخرى أو في موارد أخرى، هذا باب آخر؛ فيُنظَر في المسائل الأخرى أيضًا استقلالًا، يعني لا يُبنى على قياس، وإنما يُبنى على أصول، ويُنظَر في هذه الأصول.
وقد تقدم أنه لا يوجد ما يمنع من الصلاة في المساجد؛ المسلمون في أقطار بلاد الإسلام طولاً وعرضًا يصلُّون في جوامع، يصلُّون في مساجد العيد، يصلُّون العيد، صلاة الأعياد، لكن كثيرًا من هذه البلدان ليست فيها مُصلَّيات، وأيضًا فقهاؤهم وعلماؤهم يُقرُّون بأن الصلاة الموافقة للسنة هي أن تكون في الجبَّانة والمُصلَّيات في صلاة الأعياد؛ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يُخبِر عن فضل الصلاة في مسجده الشريف –أي المسجد النبوي– ومع ذلك في صلاة العيد يتركه ويصلِّي في الجبَّانة، لأن السنة هي هكذا: صلاة العيد في الجبَّانة والمُصلَّيات هي أفضل وأولى من الصلاة في المساجد.
فإذا وُجِدت عِلَّة معتبرة شرعًا فحينئذ يُنظر في هذه العلة، لكن الملاحظ أن كثيرًا من الناس يريدون فقط الترخُّص والتوسُّع، في حين أن صلاة العيد تُؤدَّى بعد طلوع الشمس، ومدَّتُها يسيرة، الصلاة فيها ركعتان والخطبة فيها، ونحن ننصح الخطباء أن يختصروا ويُخفِّفوا على الناس، فليست هناك مشقة بالغة؛ إذا وُجدت أسباب أخرى وموانع أخرى فيُنظر فيها استقلالاً.
والله تعالى أعلم.