⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأصل في الحرية أنها مأخوذة لغةً من الشيء الحُر، أي الكريم النفيس، فيُقال: رملٌ حُرٌّ إذا كان نفيسًا كريمًا، ويقال كذلك: غيمٌ حُرٌّ إذا كان طيِّبًا مثقلاً بالغيث.
والحرية –من حيث وضعها اللغوي– هي كما تقدم، وكذلك هي من حيث الاستخدام في المصطلح الشرعي؛ فإن النفاسة وكرم الطبع يُسمَّى حرية، ولذلك كان كل ما يتعارض مع كرم الشيم ونبل الطباع يكون رِقًّا مقابلاً للحرية؛ وكأن هذا الإنسان صار أسيرًا لبعض العادات أو الأهواء أو الشهوات التي تُبعده عن الكريم من الشيم والجميل من الصفات والأخلاق.
ونحن نجد مثل هذا المعنى في كتاب الله عز وجل في سورة آل عمران حينما قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]، مع أنها نذرت أن تجعل ما في بطنها، أن تجعل ولدها –وكانت تؤمِّل، ترجُو أن يكون ولدًا– أن تجعله في خدمة بيت المقدس؛ فكان تحريره من أهواء هذه الحياة الدنيا وجعله في خدمة بيت المقدس، عبادةً لله تبارك وتعالى وتقربًا إليه، معنى الحرية؛ فكانت الحرية بهذا المعنى إنما هي تخلُّص من الأغيار، وتخلُّص مما سوى عبادة الله تبارك وتعالى بالإقبال على عبادته وحده تبارك وتعالى إخلاصًا وصدقًا وقصدًا.
وفي هذا المعنى في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطلَق، ويُراد به معنيان:
ما كان مُقابِلاً للعبودية؛ ومن المعلوم أن هذا الدين تشوَّف إلى تحرير الناس، وجد أن الاسترقاق كان عادةً مُمارَسَة لدى كل شعوب الأرض أو لدى أغلب شعوب الأرض، فجاء بتضييق منافذ الاسترقاق، وبفتح سُبُل التحرير؛ ولذلك نجد أن تحرير الأرقَّاء هو عمل صالح له أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى، من أفضل القُرُبات: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 11-16]، فأول ما ذُكِر هو فكُّ الرقبة مما يفك به الإنسان نفسه من عذاب جهنم –والعياذ بالله–، كما أنه وُجد في خصال الكفارات –على سبيل المثال– من أعلاها إلى أدناها، وُجد في كفارة القتل، ووُجد في كفارة الظهار، ووُجد حتى في كفارة اليمين المُرسَلة؛ مع أن خصالها في ظاهر الأمر يسيرة، قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89].
وضيَّق منافذ الاسترقاق؛ آخر آية نزلت في كتاب الله عز وجل مما يتعلَّق برِقِّ الحروب نجد فيها: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]، ليس هناك ذِكر للاسترقاق، وهذا من آخر –في سورة محمد صلى الله عليه وسلم– من آخر ما نزل في هذا الشأن.
هذا فيما يتعلَّق بمصطلح الحرية؛ ولذلك نجده بمعنى ما يقابل العبودية، ويعني هذا –لا شك– رُتِّبَت عليه الكثير من الأحكام الشرعية التي خفَّفت –في الحقيقة– على الأرقاء أيضًا رحمةً بهم ومراعاةً لظروفهم وأحوالهم، مع الدعوة إلى تحريرهم –كما تقدم– وفتح المنافذ التي تدعو إلى تحريرهم، بحيث إن من مقصود هذا الشارع أن يصل الناس إلى مرحلة إلغاء العبودية والرِّق، وهذا ما حصل فعلًا –الحمد لله–.
لكن المعنى الآخر، وهو معنى الاسترقاق المعنوي أيضًا ملحوظ، وهو المعنى الآخر لما قلتُ: جانب الاسترقاق الحقيقي، التعبيد، هناك المعنى الآخر وهو الاستعلاء على بني البشر وظلم الناس بناءً على الشعور بالعلو والاستكبار على من هم دونه من الناس؛ هذا الجانب المعنوي من الاسترقاق لخصَّت نظرةَ الإسلام فيه مقولةُ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما قال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، وقال هذا لواليه على مصر عمرو بن العاص –رضي الله تعالى عنه– حينما ضرب ولده شابًّا قبطيًّا بسبب سَبْق القبطي له في سباق فَرَس، فاشتكى القبطي إلى عمر بن الخطاب، فكان ما كان… هذا المعنى إنما هو مأخوذ من روح هذا الدين ومن جوهره: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».
المعنى الآخر وهو معنى حرية الاختيار والإرادة الحرة، فهذه ثابتة في كتاب الله عز وجل –حتى فيما يتعلق بالمعتقد– فربنا جل وعلا يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَاۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، ويقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، شريطة تحمُّل تبعة هذا الاختيار؛ فهو حُرٌّ في اختياره، وله الإرادة المطلقة في أن يختار، لكن القرآن الكريم وضع إزاء هذه الحرية مسؤولية في الدنيا والآخرة؛ فآتى الله تبارك وتعالى هذا الإنسان الملكات، وسخَّر له ما يمكِّنه من الاختيار، وبيَّن له عاقبة اختياره، وحمَّله مسؤولية هذا الاختيار بإرادته الحرة في دنياه وفي عقباه.
هذه الحرية في جانب الممارسة، وفي جانب اختيارات هذا الإنسان، لا تعني –بوجه من الوجوه– الحرية المطلقة التي تتعرَّض لحقوق الآخرين، والتي يمكن أن تؤدي إلى الظلم والعدوان؛ لأن هذا الدين جاء بمبدأ يوازن بين الإلزام من الخارج والالتزام الداخلي: ﴿فَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135].
ولذلك فإن الميل والانصراف باتباع الهوى يُفضي إلى الظلم؛ لأنه يُجانِب العدل، يُجانِب الإنصاف والقِسطاس الذي أمر الله تبارك وتعالى به عباده، فكان كل تصرف يمكن أن يأتي به الإنسان لا بد أن يكون منضبطًا بضوابط العدل والإنصاف؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ويقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فحينما يُنصِف الإنسانُ الناسَ من نفسه، فإن هذا يعني أن ممارسته لحريته في الاختيار منضبطة بعدم ظلم غيره، وبكف أذاه عن الناس، وبرفع الضرر عنهم وعن هذه الحياة عمومًا، ليس عن بني البشر فقط؛ لأننا نجد أن القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، فممارسته لحقه في الحياة مشروط بألا يفسد في هذه الأرض التي أوجدها الله تبارك وتعالى صالحة، بل مأمور أن يسعى فيها بالإصلاح؛ لأنه قال أيضًا: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛ و«استعمركم» أي طلب منكم عمارتها.
ونفس مفهوم الاستخلاف يجعل من مفهوم الحرية منضبطًا بضوابط العدل والإنصاف والقسطاس، والعقيدة التي يلتزمها هذا المكلَّف المُخاطَب.
ولا يمكن أيضًا أن يكون –في مفهومنا ونحن نتحدث عن الحرية في الإسلام– بعيدًا عن الالتزام الخُلُقي؛ فطالما وجدنا في كتاب الله عز وجل أن لهذا الإنسان إرادة حرة، وهي أثمن ما أعطاه إياه الله تبارك وتعالى، فهو حُرٌّ يختار، ورتَّب الله عز وجل على هذه الإرادة الحرة والاختيار الحر مسؤوليات وأمانات، وأن الاختلاف سيكون سُنَّة من سُنَن هذه الحياة الدنيا؛ ولذلك ألزمهم –أي ألزم الله تبارك وتعالى هؤلاء المخاطبين، هؤلاء المكلفين– أن يكون تعاملهم فيما بينهم أيضًا منضبطًا بضوابط العدل والخُلُق القويم.
ولذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، و«لِتَعَارَفُوا» مأخوذة من العُرف ومن المعروف؛ فليست هي مجرد معرفة، المعرفة هي من مشتقاتها، من المعاني الدائرة حولها، لكن منها أيضًا العُرف والمعروف الذي يكون بين الناس؛ فهي ليست مجرد معرفة أن نعرف أن هناك طائفة من البشر، وأن هناك مجموعات من الناس، وأن لهم اختيارات مختلفة عنَّا، وكفى، بل الأصل أن تكون العلاقة بيننا وبينهم –حتى مع الاختلاف– مبنية على هذا التعارف الذي يحمل معنى العرف والمعروف.
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْۚ﴾ [الممتحنة: 8].
وهذا والله تعالى أعلم.