⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نحن إذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا أن الذي أجَّج الخلاف ما بين المسلمين، وأوقع في الشقاق البعيد، إنما هو انحراف السياسة. لما كانت سياسةٌ مستلهِمة نهجَها من كتاب الله، ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قائمة بالعدل بين الناس جميعًا من غير تحيز إلى أحدٍ ضد أحد، كانت هذه السياسة يتدفق خيرها على الإنسانية بأسرها.
ولكن عندما وُجد الانحراف، ووجد حب التسلط على الآخرين، وشفاء الغيظ بانتهاك الحرم، وفعل الكبائر، وفعل الجرائم العظيمة في حق الأمة، أدى ذلك إلى هذا التشرذم، وهذا الخلاف، وهذا الشقاق.
ولا شيء يجمع الشتات كالعدل، العدل هو –على أي حال– مطلب شرعي ومطلب إنساني، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، والله تعالى يأمر بالعدل بين القريب والبعيد، والبغيض والحبيب، لا يفرِّق بين أحد وأحد.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، فلو كانت هناك خصومة بين الوالدين أو بين أحدهما وبين بعيد من الناس، لوجب على الولد أن يشهد شهادة الحق، وأن لا يتحيز للوالد ضد الآخر بسبب العصبية للوالد، وإنما يتحيز للحق ويقول كلمة الحق.
وكذلك في المقابل يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، فلو كان هناك شَنَآن ما بين أي أحد وآخر، يجب أن لا يكون هذا الشنآن حاجزًا دون تحقيق العدل مع الشخص المبغوض، بل يجب أن يُنصفه من العدل.
وهذا لم يكن أمرًا نظريًّا، وإنما كان أمرًا مطبقًا في حياة الأمة، فنحن نرى كيف جاء القرآن نفسه ليؤكد هذا المعنى عندما كانت مؤامرة على يهودي، وُلصقت به تهمة من قِبَل بعض الناس، نزلت آيات قرآنية في كتاب الله تعالى تُبرئ ساحة اليهودي مما أُلصق به من التهم، حتى لا يكون التعامل مع الآخر على حساب العدل، وإنما يكون وفق منهاج العدل مع القريب والبعيد، والبغيض والحبيب، وهذا ما يجب على الأمة أن ترجع إليه، فإن رجعت إليه فلا ريب أن الأمن والاستقرار يتحقق لها، لا شيء مثل العدل يُضفي الأمن والاستقرار، كما قال الرجل الذي جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوجده نائمًا: حكمتَ فعدلتَ فأمِنتَ فنِمتَ، وهكذا الحال.