⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه القاعدة هي فرع من قاعدة الضرورة، وقاعدة الضرورة نصها: أن الضرورات تبيح المحظورات.
ونظر كثير من الفقهاء إلى أن بعض الحاجات التي يتحدث عنها الأصولي في باب المقاصد، حينما يذكرون أنه ما من حكم شرعي في هذا الدين إلا وقد جاء لتلبية مقاصد ضرورية، فحينما يتحدثون عن هذه المقاصد فإنهم يقسمونها إلى ثلاث رتب: الضرورات، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.
فأما الضروريات فهي قِوام حياة هذا الإنسان، كل ما يتعلق بوجوده وبقائه وبحياته فهو من الضرورات لأنه لا يمكن أن يُستغنى عنه.
وأما الحاجيات فهي دونها، بمعنى أنه يكون في انعدامها وانتفائها مشقة بالغة تُصيب هذا الإنسان وإن لم تُفضِ إلى تلفه وفوات حياته، إلا أن في انعدامها عُسراً بالغاً شديداً يبلغ حد المشقة، ولذلك فإنها أُلحقت بالضرورات.
وأما التحسينيات فهي مما يتعلق بالرفاه في هذه الحياة، ما يتعلق بكل ما كان سوى ما تقدم من الضرورات والحاجيات.
فُنُظر في الحاجيات فتبين أنها على نوعين: هناك حاجة عامة، أي أن مجموع مكلفين يحتاج إليها كعقود المعاوضات، ولذلك أُدرجت هذه الحاجة العامة في هذه القاعدة. لكن الحديث هنا ليس عن الحاجة العامة، ولذلك فرّق بعضهم في صياغة القاعدة فقال: الحاجات – أو الحاجة عامة كانت أو خاصة – تنزل منزلة الضرورة إذا تعيّنت.
ولا حاجة للحديث عن الحاجة العامة في الحقيقة، لأن هذه جاءت التشريعات لرفع الحرج عنها؛ نحن نتحدث عن حاجة عامة كالحاجة إلى بعض أنواع العقود، عقود المعاوضات، الحوالة على سبيل المثال، ثبت جواز الحوالة – حوالة الدين – مع أنها على خلاف الأصول، لأنها أشبه ببيع الدين بالدين، لكن جاء هذا الشرع مُراعياً لحاجة الناس إليها فأنزلها منزلة الضرورة في أصل التشريع فأباحها، فصار حكمها الأصلي الإباحة، احتاج إليها الإنسان أو لم يحتج على مستواه الشخصي، فهي حاجة أُنزِلت في أصل التشريع منزلة الضرورة فأُبيحت رفعاً للحرج والعَنَت والمشقة عن الناس.
لكن الحاجة التي يتحدث عنها أغلب الأصوليين في هذه القاعدة إنما هي الحاجة الخاصة، يُعبِّرون عنها أحياناً بهذا الوصف، وأحياناً يقولون: الحاجة إذا تعيّنت. فأما الحاجة الخاصة أو الحاجة إذا تعيّنت فمعناها أن تبلغ المشقة في المكلَّف الفرد أو في مجموعة من المكلفين حدَّ الضرورة؛ كالتداوي على سبيل المثال، فأصل التداوي في أغلب أحواله الإباحة، لكن الاحتياج إلى التداوي قد يبلغ مبلغ الاضطرار، ولذلك في حق هذا المكلَّف تكون هذه حاجة خاصة تكون متعيّنة في حقه، فتنزل هذه الحاجة الخاصة المتعيّنة منزلة الضرورة، فتُباح معها بعض المحظورات التي كانت قد مُنِعَت عنه في الأساس أو في الأصل، من نحو التداوي ببعض المحرمات لا سيما إن لم تكن محرّمة الأعيان.
ففي هذه الحالة – الاحتياج إلى التداوي عند هذا المريض المكلَّف – حاجة أولاً: لا بد أن تكون حقيقية غير متوهَّمة.
ثانياً – وهذه ضوابط هذه الحاجة – أن تكون متحققة، أي حاصلة غير منتظرة، وإنما هي حالة به، الاحتياج هذا الاحتياج البالغ مبلغ الضرورة حاصل في حقه في ذلك الوقت مع كونها كما تقدم حقيقية غير متوهمة.
ثم إنها لا تصادم شيئاً من الأحكام الشرعية الأخرى، فلا تصطدم بما ورد – على سبيل المثال حتى في موضوع التداوي – عند من يرى بأنه لا يصح التداوي بالخمر، لأن الله عز وجل لم يجعل فيها شفاء، وأن التداوي بها – بالخمر – محرم في كل الأحوال، فيقول بأن هذه الحاجة تصطدم بنص شرعي، ولذلك فإنها لا تنزل منزلة الضرورة، لأن تنزيلها سوف يصطدم بنص شرعي آخر، أو لا تصطدم بما هو أعظم منها ضرراً.
فهذه هي شروط الحاجة التي يُشير إليها من حيث الإجمال، هناك شروط تفصيلية أخرى.
ولنضرب مثالاً بما سأل عنه هو لاحقاً، لكن قبل أن نضرب مثالاً…
… نعم، كشف العورات في حالة التداوي إنما أُبيح لأن هذه حاجة متعيّنة خاصة نزلت منزلة الضرورة، مما يعني أنه أيضاً من الضوابط أن تتعيّن؛ فمعنى أن تتعيّن: أن لا توجد وسائل أخرى، فلا توجد مثلاً المرأة الطبيبة التي يمكن، أو القابلة التي يمكن أن تتولى التمريض أو التوليد لهذه المريضة. فهذا مثال مناسب، بل هو من الأمثلة، ما يتعلق بالتداوي هو من الأمثلة القائمة للحاجات الخاصة المتعيّنة التي تنزل منزلة الضرورة.
… لكن الضوابط الموضوعة لتقدير هذه الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة تحتاج إلى من عنده علم؛ لما نقول بأنها حقيقية غير متوهمة، وأن تكون حاصلة واقعة في حقه، وألا تصادم شيئاً من النصوص الشرعية… هذه هي شروط الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.