⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فالجواب عن هذا السؤال هو أن هذا الترتيب الوارد في هذه الآية الكريمة، أي في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، يشتمل هذا الترتيب على معانٍ عظيمة ودلالات عميقة، والسائل – بارك الله فيه – لم يذهب بعيدًا حينما توقّع أن يكون لهذا الترتيب بهذه الأوامر من ربنا جل وعلا لمريم عليها السلام بالقنوت أولًا ثم بالركوع ثم بالسجود مع الساجدين دلالات فيها لمسات قرآنية لطيفة.
نعم، والذي يظهر لي أن هناك معنيين يؤخذان من هذا الترتيب في هذه الآية الكريمة:
المعنى الأول: يتعلق بالانتقال من الكثرة إلى القلة، أي من المطلوب من مريم عليها السلام أن تأتي به على جهة الإكثار إلى ما هو دون ذلك.
وأما المعنى الثاني: فإنه أيضًا انتقال من الخفاء إلى العلن.
فجاء الأمر بالقنوت أولًا، والقنوت هو مداومة الطاعة مع خشوع واستكانة وتذلل، هذا هو جماع ما يدور حوله معنى القنوت الوارد في كتاب الله عز وجل، وإن تنوّعت عبارات المفسرين وعبارات علماء اللغة؛ إلا أنها لا تخرج عن هذا المعنى.
فالقنوت على الطاعة بخشوع واستكانة وتذلل، فهو انصراف يبدأ من القلب إلى طاعة الله عز وجل، بحيث يكون هذا القلب خاشعًا متذللًا مستكينًا لله تبارك وتعالى، متجهًا إلى ملازمة الطاعة والمداومة عليها، وهذا مطلوب منها في كل الأحوال؛ أن تداوم على طاعة ربها، وأن يخشع قلبها له جل وعلا، وأن تجعل صلتها به سبحانه قائمة على التذلل والاستكانة والخشوع والإخبار به على جهة التكثر والملازمة والمداومة: القنوت، القنوت.
ثم تنتقل بعد ذلك إلى السجود، نعم، فالسجود يعني أن تكثر من الصلاة، فإن السجود يُطلق ويراد به الصلاة بهيآتها المخصوصة؛ لكن لأن هيئة السجود هي أشرف الهيئات في إظهار تذلل العبد لربه جل وعلا، فإنها قد خُصت بالذكر هنا، وهذا يرد كثيرًا في كتاب الله عز وجل ويرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واللغة تؤيده؛ بحيث يُطلق البعض ويراد به الكل؛ لأنه أدل على الكل.
وهنا أُمرت بالسجود لأنه يشمل سجود الخفاء في صلواتها بنفسها في تبتلها إلى ربها تبارك وتعالى آناء الليل وآناء النهار؛ تصلي لله عز وجل، تقوم وتسجد في صلوات السر، في الصلوات التي تكون في خفاء عندما تخلو إلى ربها جل وعلا فتأتي ما تستطيع من صلوات، وعُبِّر عن هذا المأمور به بالسجود، لكنه أقل من القنوت؛ فالقنوت أدوم، وهو ينصرف إلى الباطن والظاهر، ويحتاج إلى استكانة وتذلل في كل الأحوال، في كل الأفعال والأقوال، لا يقتصر على حالة من العبادات واحدة.
أما السجود هنا فينصرف إلى سجود الصلاة، ولكنه لا يقتصر على الصلوات في جماعات أو الصلوات في المساجد أو الصلوات في بيوت الله تعالى، بل يشمل صلوات السر، يشمل الصلوات في محراب عبوديتها لله تبارك وتعالى في بيتها، وحينما تخلو إلى نفسها، وفي أي مكان تنقطع فيه إلى ربها جل وعلا بحيث يُبعد أن يراها أحد، ثم ينتقل بعد ذلك – وهذا يكون أكثر؛ لأنه كما قلت يشمل كل الأوقات التي يصح أن تصلي فيها – إلى أداء الصلوات في جماعة في بيوت الله عز وجل حيث يؤدي معها غيرها، وهذا أقل من الثاني، وهما أقل من المأمور به أولًا.
فلذلك اقترنت هنا بالمعيّة: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي هؤلاء الذين يصلّون ويركعون لله تبارك وتعالى في بيوت الله عز وجل في جماعات أو منفردين، لكن المقصود هنا ليس صلوات السر، وليس الصلوات التي تكون عند الانقطاع والخلوات، وإنما يقصد بها ما يكون في بيوت الله عز وجل وفي الأوقات التي أُمروا أن يؤدوا فيها الصلاة.
وبملاحظة الجهة الأخرى – وهي جهة الإخفاء والإظهار – فهو انتقال مما هو إخفاء إلى ما هو دونه في الخفاء، أي إنه أقرب إلى الظهور، إلى ما هو أظهر، وهذا يتناسب مع الحالة التي ستُبتلى بها مريم عليها السلام؛ فإن أمر حملها عيسى عليه السلام سيكون خفيًّا، ثم بعد ذلك سيظهر شيئًا فشيئًا، وتحتاج إلى هذا الإعداد الرباني؛ لتمكّن من مواجهة ما سيلقاها به قومها حينما تأتي بعيسى عليه السلام، وهو أيضًا يتناسب مع هذا المقام العالي الرفيع لمريم عليها السلام وهي في مصافّ الصديقين.
فيحتاج المكلَّف إلى أن يُكثر من العبادات التي لا يطّلع عليها أحد، وأن يصلح سريرة نفسه، وأن يزكّي قلبه؛ لينعكس ذلك في أعماله وأقواله، كما يحتاج إلى أن ينقطع إلى الصلوات التي يخلو بها مع ربه جل وعلا في جوف الليل وفي الأوقات التي يغفل فيها غيره عن القيام بهذه العبادات، مع لزوم أيضًا شهود الجماعات والمواضع التي يؤمر فيها المؤمنون بالشهود والحضور.
وأما: لماذا قال: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: «الراكعات»؟ فلأن هذا إنما يأتي على سبيل التغليب؛ ليدخل فيه الرجال والنساء، فلو قال: «الراكعات» فإن الرجال لا يدخلون فيه، وإنما أريد إدخال الجميع، هذا الذي يظهر لي والله تعالى أعلم.