⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا التصرُّف –لنأخذ الصورة الأولى– وهو أن يبحث المصلِّي عن من كان حسن الصوت؛ هذه المسألة لها أحوال:
فإن كان إمامَ مسجدِه –كما تقدم في السؤال– متقنا حافظا، وكونه متقنا هذا يعني أنه مؤدٍّ لأحكام التجويد، وهو مع حفظه لكتاب الله عز وجل أولى ألا يفرِّط في إِمامته؛ لكن لا ينبغي، لا يمكن أن يُحرَج على الناس ويقال: إنه من غير المشروع أن يختاروا صلاةَ إمامٍ تأنس إليه نفوسُهم أكثر، أي تأنس نفوسهم إلى حسن تلاوته؛ أقول: لا، لا يمكن أن يُحرَج عليهم.
ومجال التوسعة هو ما نفهمه من بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كروايات: «حسِّنوا أصواتكم بالقرآن»، «زيِّنوا أصواتكم بالقرآن»، ورواية أبي موسى حينما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استمع إلى قراءته فقال: «لقد أوتيتَ مزمارا من مزامير آل داود»، فقال: يا رسول الله، فقد استمعتُ إليك البارحة؟ قال: «لو علمتُ أنك تسمعني لحبَّرته لك تحبيرا».
إذن هذه الأدلة الشرعية تشفع لذوي الأصوات الحسنة، شريطة أن يكونوا أيضا متقنين غير مبالغين؛ لأنه مما يُلاحظ أن الناس لا تفرِّق، فتميل نفوسها إلى ذوي الأصوات الحسنة، مع أنهم –أي هؤلاء القراء– مفرِّطون في أحكام التجويد؛ تفريطُهم منشؤه إما من المبالغة والإفراط في تحسين صوتهم على حساب أحكام التلاوة، بل –في أحيان كثيرة– على حساب المعنى وضبط معاني الآيات القرآنية التي يقرؤونها.
فهذا هو الحال الثاني لما قلت: إن هناك أحوالا؛ فإذا كان هؤلاء الذين يمتازون بحسن الصوت وجمال الترتيل يدفعهم ذلك إلى تضييع أحكام التلاوة وتضييع المعنى، فلا يُحسنون أين يقفون ولا من أين يبدءون، ولا تجد أن نفوسهم متفاعلة وأن قلوبهم واعية لما يقرؤون، وإنما هو مجرد تغنٍّ بالقرآن الكريم؛ وقد دلت الأدلة أيضا على النهي عن هذا، بمعنى التغني الذي هو التمطيط والتلحين في آيات القرآن الكريم.
أما ما ورد من التغني في السنة في سياق القرآن الكريم فبدلالة الاغتناء به عما سواه، ومن توسَّع قال: التغني بمعنى تحسين الصوت وترتيل القرآن الكريم دون مبالغة ودون مجاوزة للحد.
فإن كانوا يبالغون هذه المبالغة ويقعون في هذه الأخطاء، فإنه لا ينبغي للمصلين، بل عليهم أن يتمسَّكوا بمن كان ضابطا متقنا، ولو لم يكن في حسن صوته كالآخرين.
هنا للأئمة وللقراء أن يلتفتوا إلى ضبط أحكام التجويد وحسن التلاوة لكن دون مبالغة؛ فالمبالغة ومجاوزة الحد، ورفع الصوت في موضع، وخفض الصوت في موضع آخر، هذا لا يليق بكتاب الله عز وجل، وكل الأدلة التي نجدها لا تسعف، لا نجد فيها أي مستند لمثل هذا الصنيع، بل الأدلة المتقدمة كلُّها دالة على أنه مما يُحمد أن يعتدل في قراءته، وأن يقدِّر كلامَ الله عز وجل حقَّ التقدير، وأن يتأدَّب معه حقَّ الأدب، وأن يتلوَه ضابطا خاشعا متدبرا دون أن يجاوز الحدود.
هذه الصورة الأولى.
أما الصورة الثانية –الإمام السريع– فأيضا لا يمكن أن نضيِّق؛ يعني المحافظة على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة القيام: حيث كانت صلاته عليه الصلاة والسلام يطيل، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا؛ هذا هو الهدي الأفضل الأكمل.
ولكن الناس يتفاوتون، فمنهم الضعيف، والمريض، والصغير، وصاحب الحاجة؛ هؤلاء أيضا دل الدليل الشرعي على أن لهم اعتبارهُم ومراعاتَهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فليُخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والمريضَ وذا الحاجة»، ولما اشتكى إليه بعضُ أصحابه بعضَ أئمتهم أنهم يطيلون غضب عليه الصلاة والسلام وقال: «إن منكم منفِّرين، إن منكم منفِّرين، فَيَسِّروا ولا تعسِّروا»، ثم قال: «وإذا أمَّ أحدُكم الناسَ فليخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والمريضَ وذا الحاجة»، وفي بعض الروايات: «والكبيرَ والصغيرَ وذا الحاجة».
فحتى صاحب الحاجة جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبارا عليه الصلاة والسلام، والناس اليوم أيضا لا يمكن أن يُضيَّق عليهم؛ لأن نمط الحياة اختلف، وعندهم من الظروف والأحوال –سواء كان لمساعٍ دنيوية أو لمساعٍ دينية– ما يجعل كثيرا منهم يبحث عن من كان أخفَّ صلاة؛ والتضييق لا أجد له مسوغا شرعيا.
لكن لا شك أن ما هو أكمل وأفضل هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم قدر استطاعته، لا سيما في هذه الليالي المباركة في شهر رمضان، بما ثبت من فضل قيام رمضان: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه».
ونحن أيضا مقبلون بإذن الله تعالى على النصف الثاني من هذا الشهر المبارك، فينبغي للمسلم أن يكون قد هيَّأ نفسَه وطوَّعها لمزيد من الإكثار من الطاعات والعبادات والنوافل استعدادا للعشر الأواخر واستعدادا لليلة القدر، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.