⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أنه مبدأ؛ القضية ليست قضية تكتيك أو تخطيط مرحلي يُراد منه الوصول إلى أهداف آنية، وإنما مردُّ ذلك إلى مبدأ. هذا المبدأ يقوم على معاملة الناس بحسب ما يظهر منهم، وإيكال بواطنهم إلى الله تبارك وتعالى.
والمقصد أيضًا الذي أشرتم إليه مما ورد في بعض الآثار هو مندرج ضمن هذه المبادئ، وهو حفظ لُحمة المجتمع، ومنع ما يمكن أن يسري إليه من عوامل يمكن أن تنخر فيه وأن تُفتِّت وحدته، وسدُّ الباب أمام ضعاف النفوس والمتربِّصين بهذا الدين من أن يُنسبوا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى المؤمنين ما يمكن أن يكون فيه فساد أو شَيْن أو مَثْلَبَة على هذا الدين، فكل هذه المقاصد والحِكَم مرعيَّة، وهي تمثِّل مبادئ لقوام المجتمع المسلم.
لا هذه حجة واهية؛ ذلك أن النفاق الاعتقادي عند جماهير أهل العلم من مختلف المذاهب الإسلامية قد انتهى أمره؛ إذ لا سبيل إلى القطع بالنفاق الاعتقادي بعد انقطاع الوحي، إذ كانت السبيل التي عُرِف منها، عُرِف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحوال هؤلاء الذين يُضمِرون الشرك ويُظهرون الإسلام إنما هي من خلال الوحي فقط، فلما انقطع الوحي لم يعد هناك من سبيل إلى تبين أحوال هؤلاء المنافقين نفاقًا اعتقاديًّا.
وأما النفاق العملي فهو من باب أولى أن لا تجري عليه شيء من أحكام المشركين وأن تُباح دماؤهم؛ ولهذا نجد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من التحذير من خِصال المنافقين، من خِصال النفاق، ويُقصَد بذلك النفاق العملي؛ كقوله: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالص النفاق، ومن كانت فيه إحداهن كانت فيه خَصْلة من خِصال النفاق»، وفي رواية: «أربعٌ من كنَّ فيه»، وذكر: «إذا حدَّث كذب، وإذا ائتُمِن خان، وإذا خاصم فجر»، وفي رواية: «وإذا عاهد غدر». فهذه أعمال هي علامات للنفاق العملي.
والمقصود بالنفاق العملي هو أيضًا ما يعرِفه بعض العلماء بكفر النعمة، وما يعرِفه غيرهم بالفسوق والعصيان، وما يسميه بعضهم بكفر دون كفر؛ فهذا هو النفاق العملي، ولا قائل أن هؤلاء الذين هم من هذا الصنف يمكن أن تُباح دماؤهم، يمكن أن يكون حكمهم القتل؛ لأن لموجبات القتل في الإسلام أسبابًا حدَّدتها هذه الشريعة، وهي موكولة إلى ولي الأمر أيضًا في تنفيذها شأنها في ذلك شأن سائر الحدود.
وبالتالي فلا مدخل بمثل هذه الحجة لقتل الذين يظهر منهم الإيمان ويظهر منهم الإسلام؛ لا سبيل إلى أمثال هؤلاء الذين ينزعون هذا المنزع الذي فيه من الغلو ما لا يخفى إلى أن يحتجوا بمثل هذه الحجج الواهية.
ومع ذلك لو سلَّمنا جدلًا، فهل مقتضى الحكمة عندهم هم أَدْعى لانتهاك الدماء مما كان عليه حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هم أَرْعى لحدود هذا الدين ولمقاومة ارتكاب جرائم وإتيان فضائع ما أنزل الله تعالى بها من سلطان؟
هو من حيث الأصل ممنوع؛ لأن دماء الموحِّدين معصومة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» وفي رواية: «وأعراضهم»، ثم قال: «إلا بحقِّها»، وحسابهم على الله، وبيَّن ما هو حقها، فحينما قال: «الثيِّب الزاني، والمارق من الدين المفارق للجماعة»، وقال: «زنى بعد إحصان»، أو: «النفس بالنفس»، أو: «أي المفارق لدينه التارك للجماعة»، نعم، هذه هي الوجوه التي يمكن أن تُباح بها، ومردُّها إلى ولي الأمر، إلى الحاكم العادل، لكي يقيم حدود الله سبحانه وتعالى بعد ثبوتها على مرتكبيها.
والمفارق لدينه التارك للجماعة أيضًا يكون في حكم ولي الأمر كما تفضَّلتم، مردُّه إلى ولي الأمر؛ هذه حدود، مردُّها إلى ولي الأمر، لا يمكن لأي شخص أن يُشخِّص المسألة ويُطبِّق.