⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
باختصار شديد يمكن أن نلخصها في آية واحدة من كتاب الله عز وجل، وهذه الآية وردت في قصة يوسف عليه السلام حينما ثبتت براءته، وطلبه الملك ليَستخلِصَه لنفسه، ومكَّن ليوسف في الأرض، مع ما آل إليه مجتمع مصر في ذلك الوقت من الضعف والذلة والهوان، وكانوا مُوكِلين على المسغبة، على المجاعة، فهنا يلخص القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام ما تحتاج إليه الأمم والحضارات لأجل قيامها ونهضتها؛ فنجد أن الله تعالى يقول: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
المتحدث هنا هو يوسف عليه السلام، ويوجه حديثه إلى ملك مصر، ويوسف عليه السلام هو نبي من عند الله تبارك وتعالى، وهذا موضع الجانب الإيماني؛ أن القادر على إخراج مصر من كبوتها في ذلك الوقت هو ذلك الذي يهتدي بنور الوحي، هو ذلك الذي يبلغ رسالة الله عز وجل للناس، فينقذ لهم مجتمعاتهم بهدي هذا الوحي الذي يتلقاه من ربه، وهذا هو جانب الإيمان في عوامل بناء الحضارات.
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ إذًا لا بد من تحقق الموارد المتاحة وحسن استغلال هذه الموارد – أيا كانت هذه الموارد – لا بد، والقرآن الكريم يدعو إلى ذلك، يدعو إلى أن يستغل الإنسان ما سُخِّر له إلى أقصى غاياته، فيسعى في هذه الأرض، ويأخذ من حلالها ومن مباحاتها ومن طيباتها لما يحقق له السعادة في حياته، ولما يجلب له الخير، ويبسط له الأمن والأمان، ويحقق له السِّلم والسلام؛ فلا بد من استغلال الموارد، وبالتالي نفهم أنه لا بد من موارد مالية، ولا بد من حسن استغلال هذه الموارد المالية، لا بد من استغلال الثروات الطبيعية، لا بد من استغلال ما يمكن أن يُبنى وأن يُثمِر وأن يُستغل حتى تتحقق التنمية لذلك المجتمع.
ثم لا بد من العلم، والعلم أُشير إليه في هذه الآية الكريمة بصيغة المبالغة «عليم»: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فلا بد من العلم، والعلم المقصود به هنا هو كل أنواع العلوم اللازمة لإصلاح أحوال الحياة دينيًّا ودنيويًّا.
وأما العنصر الرابع فهو الأخلاق؛ فإن بناء الحضارات لا يستقيم إلا إذا شُيِّدت على أسس متينة من القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، وأشير إليها في الآية الكريمة بأحسن ما يحتاج إليه تشييد صروح الحضارات، وهو الحفظ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، والحفظ متصل بالأمانة؛ فذكر يوسف عليه السلام أبرز ما يحتاج إليه لإخراج مصر من ضعفها، وذكر من الخلال الجميلة النبيلة، ومن الأخلاق الفاضلة، أخصَّ ما هم محتاجون إليه، وأخصَّ ما تحتاج إليه الحضارات جميعًا؛ لا يمكن أن يستقيم بناء حضارة أو يكتمل بنيانها إذا لم يقم على شأنها أمناء يحفظون ويؤدون الأمانات على أتم وجه وعلى أكمل ما يستطيعون، ولذلك قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
في قصة ذي القرنين نجد معنى آخر، نجد عنصرًا خامسًا، وتلخِّصه ما قاله ذو القرنين: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾، وهذا جانب الإيمان؛ فهو يعترف بأن كل ما أُوتي إياه من أسباب إنما هو بفضل الله تبارك وتعالى وبمنِّه، فيشكر نعم الله عز وجل عليه، ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، التعاون؛ لا يمكن أن تستقيم حضارة أو يُعلَى شأنها إلا إذا تعاون أفراد هذه الحضارة على تشييد صرحها وعلى بنائها وفقًا لهذه الأسس المتينة.
هذه العناصر نجد لها شواهد كثيرة في كتاب الله عز وجل، لكن لأجل الاختصار أنا اخترت هاتين الآيتين الكريمتين؛ لأنهما تلخِّصان ما هو مبثوث في مواضع أخرى من كتاب الله عز وجل مما يتعلق بهذه القضية الجوهرية، وهي جانب تطبيقي أيضًا في نفس الوقت؛ لأن دعاة بناء هذه الحضارة استخدموا هذا الجانب في يوسف عليه السلام وذو القرنين.