مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

دوام حضارات بلا إيمان

كيف نفسر في ضوء ما ذكرتم من ضرورة المكونات الإيمانية وغيرها وجود حضارات لا تأخذ بهذه المكونات ومع ذلك استمرت قرونا طويلة وحققت مظاهر عمرانية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هناك جانبان يتصلان بهذه القضية؛ أما الجانب الأول فإننا حينما نتحدث عن هذه المقومات الشرعية، أو التي نفهمها من الأدلة الشرعية لبناء الحضارات، فإننا نقصد بذلك حضارة مكتملة الأركان، مكتملة الجوانب، لا يطغى فيها جانب على حساب جانب، أو لا يظهر فيها جانب دون وجود أثر لمكون آخر، وأقصد بذلك تحديدًا أنه قد تنمو بيئة من البيئات فيما يتصل بالجوانب العمرانية والجوانب المادية والحضارة المشهودة، لكنها تكون خواء فيما يتصل بالقيم والأخلاق؛ هذه أخذت بحظٍّ بجانب من جوانب الحضارة، لكنها لم تأخذ بكل مكونات الحضارة، ولهذا فإن ما هو فيها من فساد ينخر وحدتها، ويقوِّض أركان حضارتها، قد يمتد، وقد تكون هذه المدافعة سِجالًا لمدة طويلة، لكنها – من حيث التكييف الشرعي – هي ناقصة الحضارة؛ لأن الجانب الإيماني فيها غير مكتمل، أو لا وجود له، أو لا أثر له البتة، أو أن هناك خللًا في المكوِّن الإيماني، والله تعالى يقول: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ هذا للتأكيد على أن لشكر نعم الله عز وجل، وللأخذ بالأسباب الإيمانية، أثرًا بالغًا في المحافظة على هذه الحضارة وعلى اكتمال عناصرها ومكوناتها بما يحقق للناس ما يَصبون إليه من تلبية رغباتهم الإيمانية الروحية والمادية والعاطفية والفكرية الذهنية إلى ما سوى ذلك. أما الجانب الثاني، فهو أن كثيرًا من هذه الأمم والقرى والشعوب وأهل هذه الحضارات عوَّضوا – بجُهد بالغ وبشِقِّ الأنفس – ما يتصل بالخلل الناشئ، أو بالفساد الناشئ عن الخلل في المكون الإيماني، بالأسباب المادية؛ ولذلك تجد أنهم أطروا حياتهم في نظم وقوانين وحقوق مصوغة لأجل حفظ ما لديهم من حضارة؛ فهم أدركوا أن هناك خللًا، وأن هناك جوانب ناقصة، لكنهم سعوا قدر استطاعتهم إلى أن يعوِّضوا ذلك بمزيد من الجهد والعناء في سبيل أن تكون حياتهم – فيما يتصل بالجوانب المادية وفي جوانب العلم وفي الأخذ بالأسباب – وفي إطراد الناس بأُطرٍ من غِلظة القانون والحقوق ومصادرة الحريات ما يحفظ بقاء ما هو لديهم من حضارة ومن رخاء. ولا ينبغي لنا أن ننسى هذا الجانب، وكثير من الناس ممن هم اليوم – للأسف الشديد – مبهورون بحضارات متعددة، ينسَون أن العالم الغربي – على سبيل المثال – لا يزال يداوي جراحه من آثار حربين عالميتين: الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ليأتينا الآن باحثون ومؤرخون ليفسروا كيف كانت الأسباب التي أدت إلى إزهاق أرواح ثمانية ملايين نَسَمة في الحرب العالمية الأولى ممن قُتلوا، أما الجرحى والمصابون فقد بلغوا ثلاثين مليونًا، وفي الحرب العالمية الثانية اثنان ونصف من سكان العالم أُبيدوا في ذلك الوقت في خلال أربع أو خمس سنوات فقط. في عام 1907 وقف الفيلسوف الإسلامي الكبير محمد إقبال في جامعة كامبريدج وألقى خطابًا، وقال فيه – ما معناه – بأن هذه الحياة التي أنتم فيها هي حياة إلحادٍ مادية، وإن لم تعد أوروبا إلى رشدها فَتحُلَّنَّ بها كوارث، تندَّر به من تندَّر، حتى من بعض دُعاة الإسلام ومن بعض المفكرين المبهور بما كانت عليه الحياة الغربية في ذلك الوقت؛ فما انقضت إلا سبع سنوات حتى حصلت الحرب العالمية الأولى، حصلت في عام 1914، ثم بعد الحرب العالمية الأولى، في عام 1930 – حسب ما أذكر – دُعي مرة أخرى إلى جامعة كامبريدج، وقال لهم: قبل بضع سنة كنت قد حذرت من أن هذا الخط الذي تسير فيه أوروبا سوف يؤدي بها إلى الهاوية، وسوف تحل فيها من الكوارث والحروب والعداوات، وقد حصل ذلك بعد سبع سنوات من كلمتي، وأنا اليوم أقول لكم – وأنتم طلاب في هذا الصرح العلمي العريق – إنكم إن لم تتدارك مجتمعاتكم وتنقذ مجتمعاتكم من هذه المادية الطاغية، ومن استعباد الإنسان، ومن الظلم ومصادرة حقوقه، وعدم بسط العدل بمعانيه الحقيقية، والاكتفاء بزخارف هذه الحياة الدنيا، ومن بناء اقتصادكم على الربا وعلى المقامرة، ومن ظلم الإنسان واضطهاده، فسوف تحل عليكم كوارث أخرى؛ فما انقضت إلا أيضًا مدة بضع سنوات حتى حَلَّت مرة أخرى الحرب العالمية الثانية. فهذا الذي ينظر بمنظور وحي الله تبارك وتعالى، ويستشف هذه النواميس والسنن من كتاب الله ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي لا تُسلَب لُبَّه هذه المظاهر البراقة، وإنما يغوص في باطنها ويكتشف جوهرها، ويُصلِح – قدر استطاعته – يعني هو على ما أوتي من بصيرة، فإنه لم يحتفظ بذلك لنفسه، وإنما أطلعهم عليه، وحمَّلهم المسؤولية، ودعاهم إلى إصلاح أوضاعهم، وهذا مفكر واحد من جملة وطائفة من مفكري الإسلام الذين يتنبهون لمثل هذه الظواهر وما تنطوي عليه وما يمكن أن يعقبها، واليوم نحن – من بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم – في الحقيقة ما انقضت إلا مدة تقرب من نصف قرن، أو تزيد بقليل عن نصف قرن، ولينظر الناس فيما فيه أحوال بني البشر من تطاحنٍ وعداوات، ومن اعتداء على الثروات، ومن رغبة في السيطرة والهيمنة على الموارد الطبيعية، ويُقضى في سبيل ذلك على أرواح ملايين البشر ممن لا ذنب لهم وممن هم أبرياء، ولكن يرى هؤلاء الطغاة المستبدون أن إزهاق هذه الأرواح يمكن أن يكون ثمنًا مقبولًا لأجل وضع أيديهم على الموارد الطبيعية وعلى خيرات هذه الأرض وكنوزها.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٧‏/٩‏/٢٠١٤👁 2 مشاهدة
🎬

الأمم بين سنن البقاء وأسباب الفناء - د. كهلان بن نبهان الخروصي HD

العقيدةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

عوامل سقوط الحضارات

2 👁

ما عوامل سقوط الحضارات وما الذي يهدمها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

عوامل صعود الحضارات

2 👁

ما عوامل صعود الحضارات وبقائها بحسب المنظور القرآني والإسلامي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

خيرية الأمة والحضارة

2 👁

هل أمة الإسلام الموصوفة بقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تُعد من أفضل الحضارات، وكيف تنظرون إلى الحضارة الإسلامية ومستقبلها الحاضر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

سنن قيام الحضارات

2 👁

ما هي السنن والأسباب التي تقوم عليها الحضارات وتكتمل بها نهضتها كما ذكرتها النصوص الشرعية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٩‏/٢٠١٤

الأخلاق وبناء الحضارة

2 👁

قوله تعالى والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم... هل تشير هذه الآية إلى أن العنصر الأخلاقي عامل من عوامل بناء الحضارات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

أساس الحضارة المعاصرة

2 👁

هل يمكن القول باطمئنان إن ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية اليوم بُني على ما توصل إليه المسلمون من علوم تجريبية وتطبيقية لا على علوم اليونان فقط؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠