⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قبل كل شيء هذه الحضارات حتى تبقى، نعم، صانع الحضارة هو الإنسان، ولذلك نجد في كتاب الله عز وجل من التشريعات الكثيرة ونجد خطابات قرآنية عديدة تُوجَّه إلى هذا الإنسان.
ولنفهم فقط أن الإنسان هو الأساس في صناعة الحضارات يكفينا أن ننظر في المنزلة التي تبوَّأها هذا الإنسان في كتاب الله عز وجل، في هذا الدين الحنيف؛ فالإنسان مكرَّم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، بغض النظر عن لونه، وعن جنسه، وعن أرضه وقومه، لذاته هذا الإنسان مكرم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
ثم إن الله سبحانه وتعالى امتن على هذا الإنسان بأن خلقه في أحسن تقويم، وأيضًا جعله خليفة في هذه الأرض، فهذه المنزلة، هذا التكريم، وأن يُخلق في أحسن تقويم، ثم يُشرَّف ويُكلَّف بالاستخلاف في هذه الأرض، وأن لأجل هذه الغاية يأمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بأن يسجدوا لهذا الإنسان تكليفًا لهم وتشريفًا لهذا الإنسان، يدل على المنزلة العظيمة التي بُوِّئها هذا الإنسان، ويدل أيضًا على ما مكَّن الله عز وجل به هذا الإنسان لكي يتمكن من القيام بالأمانة التي حُمِّل إياها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
ولذلك يخبرنا القرآن الكريم أن هذا الإنسان –كما قلت– بقطع النظر عن جنسه ولونه ومعتقده بعد الذي يعتقده بعد ذلك، هو مكرم، وكرِّم أيضًا وشُرِّف بأن نفخ الله تعالى فيه من روحه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29].
إذًا الإنسان يتبوأ هذه المنزلة لكي يتمكن من بناء حضارة صحيحة، وهذه المنزلة التي بُوِّئها رافقها أن رُكِّب في هذا الإنسان ما يمكنه حقيقة وواقعًا من تشييد صروح الحضارة؛ فقد أكرمه الله تعالى بالعقل وميزه به عن سائر المخلوق، ثم جعله متنوعًا، فهذا الإنسان –لذلك الله سبحانه وتعالى يقول–: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فمرَّة أخرى هذه الآيات الكريمة تجد أن الخطاب فيها لهذا الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، لكل بني آدم التكريم وهذه المنزلة، بل للذكر والأنثى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، فإذا لا شعب منكم هو أفضل من شعب آخر، ولا جنس فيكم هو خير من جنس آخر، ولا ذكر أو أنثى هو خير من الجنس الآخر، وإنما أنتم جميعًا تتبوؤون هذه المنزلة، وبالتالي أنتم جميعًا قادرون على أن تتحملوا هذه الأمانة وأن تقوموا بواجبات الاطِّلاع بعمارة هذه الأرض، وهي الرسالة، هي الأمانة التي حُمِّل إياها هذا الإنسان، وهي تنقسم إلى عبودية لله عز وجل، وإلى عمارة لهذه الأرض بما يحقق له رغد العيش، وما يمكنه من تلبية متطلباته المادية والعاطفية والروحية، وكل ما يحتاج إليه هذا الإنسان في وجوده لهذه الحياة حتى يعيش حياة هانئة موصولة بالله سبحانه وتعالى، تصله بالآخرة، وتبصره بالمنهج والنظام الذي ينبغي له أن يلتزم به في هذه الحياة إن أراد لنفسه السعادة فيها، وإن أراد النجاة في الآخرة.
ثم يعني هذا الإنسان –قلنا– هو صانع الحضارة، لكن كيف يصنع هذه الحضارة؟ هو العامل الأهم في بناء الحضارة.