⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد؛ فمن المعلوم أن شرع الله سبحانه وتعالى الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه إنما جاء لأجل صلاح هذا الإنسان وعمارة هذه الأرض وتحقيق معنى عبودية الله عز وجل في هذه الحياة، وتحقيق السعادة لهذا الإنسان في حياته الدنيا، والنجاة والفلاح له في حياته الآخرة.
نعم، وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق هذا الإنسان وخلق هذا الكون وما فيه، وأوجد هذه الحياة، وهو جل وعلا الحي القيوم الحكيم الخبير، هو الذي وفّر لهذا الإنسان ما يحتاج إليه، سواء كان احتياجه إلى ما يضطر إليه من لوازم هذه الحياة ومما تقوم به معيشته، أو كان مما يحتاج أن يتجمل به؛ فقد أخرج الله سبحانه وتعالى له الطيبات من الرزق، وجعل قوام حياته قائما على ضرورات لبتها هذه الشريعة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لكي يقصد بها هذا الإنسان صلاحا وعبودية وصلة به جل وعلا.
ولذلك فإن فهم قضية حقوق الإنسان في فلسفة الإسلام إنما ينبثق من هذا التأصيل الواضح البين، وهو أن أصل كل حق اكتسبه هذا الإنسان إنما هو من عند الله جل وعلا، وذلك الحق إنما جاءت به هذه الشريعة.
فالله سبحانه وتعالى بعث رسله وأنزل كتبه كما بيّن في كتابه الكريم حينما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. نعم، فأقر مبدأ القسط في هذه الحياة، يعني توفير الحقوق لهذا الإنسان، ومبعث هذه الحقوق إنما هو القسطاس المستقيم الذي أرساه الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، نعم، حينما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].
وحينما خلق الله عز وجل هذا الإنسان فقد كرّمه جل وعلا تكريما من عنده، ولذلك قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. فهذه المنزلة التي بوّأها الحق جل وعلا لهذا الإنسان، وهي منزلة التكريم، ما استحقها الإنسان بصفة أضيفت إليه من قبل سلطة دنيوية، أو من قبل إنسان آخر، أو هيئة أُنشئت لمثل هذا الغرض أو لغيره، نعم، وإنما اكتسبها هذا الإنسان من الخالق جل وعلا.
ولذلك صدرت الآية بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾، بلام القسم الدالة على التوكيد، وبـ(قد) التي تفيد التحقيق، ثم بإضافة الفعل إلى المولى جل وعلا؛ فهو سبحانه الفاعل، هو الذي أضاف هذا التكريم إلى الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. واستخدام مصطلح (بني آدم) يدل دلالة واضحة على تساوي الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، أبيضهم وأسودهم، عربيهم وأعجميهم… ولذلك هيئت له الأسباب، نعم، فكل منظومة الحقوق التي يتحدث عنها العالم اليوم أو يتطلع إليها إنسان اليوم إنما تنبثق من هذه الفلسفة الإسلامية الواضحة.