⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هناك فجوة حاصلة عند الناس اليوم بينهم وبين تذوق روعة البيان في القرآن العظيم؛ لا ريب أن هناك أسبابًا كثيرة أدت إلى هذه الفجوة، لكن وجودها أمر حاصل ملاحظ؛ فإن عموم الناس اليوم، عموم المسلمين اليوم يظنون أن تذوق أوجه الجمال والروعة في بيان القرآن الكريم هو مما يخص أهل العلم المتبحِّرين، ولا يعنيهم، وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء، مع أن الله تبارك وتعالى قد جعل كتابه كتاب هداية للناس كافة، وجعله ذكرًا للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87].
وفي المقابل نجد أن العلماء أيضًا هم على أصناف؛ فمنهم من يستأثر فعلاً، ويظن أنه ليس في حاجة إلى أن يقرِّب هذه المعاني وأن يوصِلها إلى عموم المسلمين على مختلف درجاتهم العلمية وثقافاتهم، وهذا خطأ. ومن العلماء من لا يولي هذا الجانب أي عناية وأي شغل مع قدرته وملكته في ذلك، لكنه إما أن يتهيب، أو أنه لا يسلِّط الملكات التي أوتي إياها من عند الله عز وجل في خدمة كتاب الله، وهذا من الأخطاء أيضًا الحاصلة في واقعنا المعاصر، والتي لابد أن تُعالَج وتُصحَّح.
فالمنهج المعتدل الوسط هو التوسط بين الإفراط والتفريط؛ هي مسؤولية مشتركة يقوم بها أولاً العلماء والدعاة والوعاظ في تقريب هذه المعاني إلى الناس، وفي إيصالها إليهم قدر ما يفهمون، وهناك كثير من اللطائف في إعجاز القرآن الكريم التي يتطلع الناس إلى التعرف عليها؛ لأنهم حينما يتعرفون عليها ويتقنون، فإنهم يزدادون حبًّا للقرآن العظيم، وهذا يجعل قلوبهم متعلقة به، فتتجاوب مع القرآن الكريم، وتستجيب لدعوته، وتتأثر بمواعظه وتزدان، فهذا من صميم دعوة هذا الدين.
وبالتالي لابد للعلماء والدعاة والوعاظ والخطباء والمشتغلين بهذه الجوانب من القيام بهذه المسؤولية ومن أداء هذا الدور.
لكن هل يعني هذا -كما تفضَّلتم في السؤال- بأن كل وجوه الإعجاز، وبأن بيان القرآن هو سهل بسيط استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]؟ الصحيح أن في كتاب الله عز وجل ما يمكن أن يكون صعبًا، وما يَستغلق على الأفهام إلا حينما يبذل القادرون، أولو الملكات، جهدهم في استخراج هذه المعاني والدلالات، ثم في تسهيلها وتيسيرها شرحًا وتفهيمًا للناس؛ لكنها قد تكون في ذاتها صعبة، تَستغلق على الأفهام، إلا أنها مع صعوبتها فأيسر بيان وشرح لها هو ما اشتمل عليه الكتاب العزيز.
فالله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، الأفهام تتفاوت، والملكات العقلية تختلف بين إنسان وآخر، وبالتالي فبعض المواضع في الكتاب العزيز تحتاج إلى ملكات عقلية، وإلى حضور ذهن صافٍ، لا يستطيعه إلا العلماء، أولو الملكات، العلماء الراسخون في العلم، لكي يتوصلوا إلى فهم تلك المعاني؛ هذا يحصل في مواضع في كتاب الله عز وجل، أيضًا لا يُظن أن هذا هو الغالب في الكتاب، لكن هناك مواضع قد تَستغلق على الأفهام ولا يستطيعها إلا النبهاء النابغون الراسخون في العلم، فيُعمِلون فيها عقولهم وأفكارهم ثم يقرِّبونها إلى الناس.
فلا يُظن؛ لأن الاستناد إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ جرَّ أيضًا بعض السفهاء، وبعض مَن هو غير مؤهل علميًّا للنظر والتفكر والتدبر، إلى أن يقول في آيات الكتاب العزيز برأيه، بأقوال لا يحتملها السياق، ولا تقبلها قواعد اللغة، وهي نافرة عن قواعد العلوم الشرعية، ومع ذلك فإنه ينشرها ويحمل الناس عليها، ويدعي أن القرآن الكريم مُيَسَّر، وأن من حقه أن يتكلم فيه برأيه.
لا؛ حينما وصف الله عز وجل كتابه باليُسر فإن هذا اليُسر يعني أنه أيسر ما يمكن أن يصل إلى الناس، لكن عليهم أن يستجيبوا، وأن يُعمِلوا عقولهم، وأن يشتغلوا به، وقد يحتاج إلى مناهج علمية، وإلى عمل جماعي، وإلى توظيف جملة من العلوم والمعارف والقواعد والمعطيات حتى يتمكنوا من فهم المراد بآيات بعينها في كتاب الله عز وجل.