⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
انتشر كثيرًا عند العلماء الأوائل والمفسِّرين وعلماء الشريعة –كما عند المتأخرين منهم– وصفُ ما يُراد من الإعجاز بأنه تحدٍّ لهؤلاء المعارضين المناوئين، لكنني أجد غَضاضةً في استخدام هذا اللفظ لوصف القرآن العظيم الذي هو مُنزَّلٌ من عند رب العالمين؛ لأنه كتاب هدايةٍ وإرشادٍ للناس.
ومن حيث معنى التحدِّي حقيقةً أرى أن غير هذا المصطلح أولى أن يُستَخدَم في هذا السياق، كأمثال «إقامة الحجة» أو «بيان الحق»؛ لأن هذه المصطلحات هي التي لأجلها أُريد أن يكون القرآن معجزًا: لكي يقيم الحجةَ على غير الذين يستجيبون له بأنه حقٌّ من عند الله عز وجل، وأن ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم صدق.
فإقامة الحجة وبيان الحق أولى بالاستخدام من مصطلح «التحدِّي». نعم، نُحسن الظنَّ في العلماء والباحثين والكتاب الذين يستخدمون هذه الكلمة؛ لأنها من حيث استخدامها المجازي تحتمل مثل هذا الوجه، تحتمل مثل هذا المعنى.
ونحن نجد أن القرآن الكريم قد دعا الناس جميعًا إلى أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولذلك هذه الدعوة سُمِّيَت تحدِّيًا من هذا الباب، لكن نفسُ دلالة التحدِّي؛ لأن القرآن إنما هو من عند الله عز وجل، وما أراد الله تبارك وتعالى أن يتحدَّى الناس، أراد أن يهديهم سُبُلَ السلام، أراد أن يبيِّن لهم النور، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، وأن يقيم عليهم الحجة على خطأ ما يتوهَّمون عن القرآن والخالق والكون والحياة.
نعم، ولذلك فهو كتاب هداية، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. فحتى في هذا السياق الذي يبيِّن لنا فيه المولى جل وعلا أنه سيري الناسَ آياتِه في الآفاق وفي الأنفس، قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ ولذلك فنحمل الآيات التي فيها دعوةٌ من القرآن العظيم للإتيان بمثله –ولن يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله– كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، والله تعالى يقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38]، هذه الدعوة في القرآن العظيم –في فهمي المتواضع– يُراد منها إقامةُ الحجة وتبيانُ الحق، ولا يُراد منها التحدِّي إلا –كما قلت– إن كان اللفظُ بمعناه المجازي، أو باستخدامه المجازي يتَّسع ليشمل هذا المعنى.
لكن كم أتمنى أن نستبدل بهذه الكلمة كلماتٍ من مثل: «إقامة الحجة»، و«بيان الحقيقة»، و«بيان الحق»، و«إرشاد الناس»، لأن هذا هو المقصود من إنزال هذا الكتاب، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 9].
… حتى يكون بمهل باستخدام كلمة التحدِّي بدلالتها؛ لأن التحدِّي في الغالب إنما يكون بين متكافئين، أو متقاربين في القدرات والمكنات… والقرآن العظيم رسالته ومضمونه ومعناه إنما هي كما وصفها الله تبارك وتعالى حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].