⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكيم.
أما بعد، فكما تفضلتم، لقد ظهرت في حياة الناس اليوم كثير من المعاملات المالية، ونحن نعلم أن هذه الشريعة التي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها جاءت لكي تحقق السعادة لهذا الإنسان في حياته الدنيا، ولكي تجلب له الفلاح والنجاة في العقبى بدرء المفاسد عنه في معيشته، وبجلب النعم له ولمجتمعه ولوطنه، ولتوزيع الثروة توزيعًا عادلاً على أبناء المجتمع، ولإقامة معاملاتهم بمختلف أنواعها المالية والاجتماعية وما سواها على أسس متينة من الخلق القويم والآداب الرفيعة، ومن مراعاة حكم ومقاصد هذا الدين التي أودعها الله سبحانه وتعالى في تشريعاته وأحكامه.
ولذلك فإن ما يستجد من أنواع من المعاملات المالية شأنه في ذلك شأن ما يستجد من مختلف قضايا الناس المعيشية، لا بد أن يُرجع إلى أصول شرعية عامة أو تفصيلية؛ فإما أن تتناوله الأحكام الشرعية بأدلة تفصيلية، أو أنه يُرجع إلى قواعد كلية أو قواعد عامة أو ضوابط يمكن رد فروع تلك القضية وتفصيلاتها إليها، بحيث يستنبط أهل العلم الأكفاء حكمها الشرعي ويبينوه للناس.
ومن هذه المعاملات ما أشرتم إليه وعرّفتم تعريفًا وافيًا من أمر التسويق الشبكي، وبعضهم يسمّيه التسويق الهرمي، ومرت فترة كان كثير من الناس أيضًا يسمونه بالتسويق الشجري؛ وذلك لأنه يقوم في الأساس على أن يقوم المتعاملون مع الشركة بجلب زبائن، وبقدر ما يجلبون من زبائن يشترون للسلعة المروَّج لها، فإنهم يأخذون عمولة بتصنيف شبكي معين، بحيث يُعد الزبائن الجدد من أتباع ذلك السمسار أو ذلك الزبون القديم، ويُقسمون تقسيمًا شجريًا أو تقسيمًا شبكيًا، بحيث يحظى بعمولة مقابل كل زبون جديد يأتي به، وهذا الزبون أو هذا العميل يأتي بآخرين فيحصل هو، ويحصل من أتَى به أيضًا، على عمولة في مقابل ذلك.
وبكثير من التحرّي والسؤال عن تفاصيل هذه الشركات تبيَّن أنها على أنواع:
فمنها شركات وهمية، الوهم فيها واضح، فهي لا تروِّج إلا لوهم، وليست هناك سلعة حقيقية تُروِّج لها أو تبيعها للناس.
ومنها شركات هي دون ذلك، هي أفضل حالًا بقليل من هذه الشركات الوهمية، تسعى إلى الثراء من خلال إقناع الزبائن بالشراء منها، مع أن السلع في حقيقتها غير مقصودة، إذ المقصود في الغالب هو ما يدفعه هؤلاء المشتركون الجدد –في ظاهر الأمر شراءً للسلعة– فيدفع، ثم يكون مما يدفع مجموعهم ما تقوم به الشركة من توزيعه على هؤلاء الزبائن، قديمهم وحديثهم، القديم منهم والجديد، وبذلك فهي أشبه، بل هي أقرب، إلى كسب المال من خلال المال نفسه، وكأنها حصول على المال من خلال الاشتراكات المالية للزبائن أنفسهم.
ونحن نعلم أن أحكام المعاملات المالية في هذا الدين جاءت لأجل إحداث تنمية وتحقيق رخاء للناس، وهي في عموم أحوالها تتصل بإنتاج حقيقي؛ سواء كان هذا الإنتاج متصلًا بسلع –أي ببضائع وأعيان– أو كان متصلًا بخدمات، بمنافع ومصالح يحتاج إليها الناس، من خلال العقود التي أقرتها هذه الشريعة من عقود المعاوضات أو عقود التبرعات أو غيرها من العقود.
لكن هذه المعاني جميعًا غير ملحوظة في هذا النوع من الكسب؛ لأن –كما قلت– ليست هناك أي تنمية ولا إنتاج حقيقي، وهناك دفع للناس إلى ترك أعمالهم والانصراف إلى الترويج والإعلان عن سلع قد لا يحتاجون إليها، بل لا يحتاجون إليها أصلًا، وإنما يشترونها لأجل الدخول والحصول على العمولة، فالسلعة غير مقصودة بالذات.
ثم إن هناك أموالًا طائلة تُبذل من قبل الشركة في هذه العمولات، وبحساب بسيط تبيَّن أن هذه الأموال التي تدفعها الشركة لا بد أن تكون تمثِّل جزءًا من أرباحها؛ لأن دعوى هذه الشركات التي تلجأ إلى التسويق الشبكي أنها تريد أن تتجنب طرق الترويج العادية التقليدية، فلا تريد أن تقوم بترويج وإعلانات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال النماذج النمطية التي اعتاد الناس عليها والتي اعتادت عليها الشركات، وتدفع فيها أموالًا طائلة، لا سيما الشركات الكبرى، هي تريد أن تصل إلى المستهلكين من خلال المستهلكين أنفسهم، فتريد أن تتجنب.
لكن تبيَّن أن حجم الأموال التي تدفعها لهؤلاء المستهلكين المروِّجين أو السماسرة نعم هي أموال طائلة، مما يعني أن تلك السلع بالضرورة بيعت بأسعار خيالية لا تتناسب مع حقيقتها ومع صنعتها، وهذا باب آخر يؤكد أن هذه الشركات إنما تريد الثراء على حساب دخول مشترين أو دخول سماسرة جدد يدفعون أموالًا عن طريق ما يظهر أنه شراء سلعة، ثم تُرد إليهم بعض هذه الأموال.
ثم إن هذه الشركات لا تحظى في غالب الأحوال، وفي أكثر البلدان، لا تحظى بموافقة من الجهات المعنية، ولا غطاء قانوني لها، حتى وإن ادَّعى البعض أن هناك من الشركات من استخرجت تصاريح من الجهات المعنية، فإن تلك التصاريح إنما هي لمزاولة نشاط تجاري ببيع سلع معينة، ولا علاقة للترويج الشبكي، أو التسويق الشبكي الذي تقوم عليه في الأساس، الذي هو قوام ربحها وثرائها، لا علاقة له بالتصريح الذي حصلت عليه.
فلأجل كل هذه الأسباب فإن القول بحرمة مثل هذا النوع من الكسب هو الأظهر، مع وجود خلاف بين أهل العلم المعاصرين حول هذا النوع من الكسب، وهذا النوع من الترويج من خلال التسويق الشبكي، لكن أغلب الفقهاء المعاصرين استقرّت كلمتهم بعدما رأوا أنواعًا من هذه الشركات، ورأوا كيف أنها تسعى فعلا إلى الثراء من خلال اشتراكات الناس، ومن خلال ما لا، من خلال عرض سلع حقيقية يحتاج إليها الناس.
وأنا أنتهز هذه الفرصة لكي أشير أيضًا إلى مسألة مهمة في هذا السياق، وهو ما يتصل بالترويج والإعلان؛ فإن واقع فقهاء المسلمين اليوم –للأسف الشديد– أنه لم يتناول فقه الترويج والإعلان تناولًا يضع له ضوابطه ويحدِّد له معالمه ويبيِّن مرشده للناس، للشركات، ولكل الراغبين في الترويج والإعلان، وإنما أُتي به تقليدًا لغيرنا ممن تطغى عليهم ثقافة الاستهلاك، وممن يروِّجون لسلع ويزيِّنونها للناس مع عدم حاجة الناس والمجتمعات إليها.
فيكثر في الناس الاستهلاك، وهذا يؤدي إلى استنزاف ثرواتهم، وإلى القضاء على مدخراتهم، وإلى تنافسهم على سلع وبضائع لا يحتاجون إليها ولا يستخدمونها في واقع حياتهم. وهذا ملحظ لا بد أن يتداركه فقهاء الإسلام اليوم بحيث يصلون إلى معايير واضحة لفقه الترويج والإعلان للبضائع والخدمات والسلع والمنافع؛ لأن هذه في ذاتها تحكمها أحكام شرعية وضوابط خلقية لا بد من التقيد بها.
أما أن يصل الحال إلى أن يكون الترويج والإعلان في ذاته سببًا لكسب المال، فهذا دليل آخر يؤكد على أن مجتمعات المسلمين قد وصلت إلى مرحلة بعيدة من طغيان الاستهلاك عليهم، ومن تنافسهم على الدرهم والدينار دون مراعاة لأحكام هذا الدين...
والله تعالى أعلم.