مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

هل تعبدنا الله بدين؟

هل تعبدنا الله بدين، وما هي الأدلة العقلية على أن خالق الكون تواصل مع البشر وشرع لهم ديناً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الله سبحانه يتجلى شهوده، ويظهر وجوده في شهود كل شيء ووجود أي كائن، فما من شيء إلا ويدل على الله سبحانه وتعالى. ولقد سمعت كلمة من أحد الدعاة الإسلاميين قبل نحو تسعة وثلاثين عامًا أو زيادة على ذلك، وُجدت الله تبارك وتعالى بها وبما قارنها من الكلمات، وخاطب في ظلها سبحانه وتعالى بقوله: «عرَفَك المؤمن ولم يرك، وجهلك الكافر، ووجودك الناطق بوجودك، كيف تُخفى والشمس بعض آياتك، أم كيف تُستر والروح بعضك؟» نعم، إن ظهور الظاهر المحال وتعالى أظهر من ظهور الشمس، وأقوى من بزوغها، لأن كل شيء يعرب بلسان حاله عن افتقاره إليه. كل ما في الكون يدل على الله سبحانه؛ إذ كل ما في الكون كائن مكوَّن، والمكوَّن بحاجة إلى مُكوِّن. فإذا من الضرورة بمكان أن يتبين لنا أن لكل مكوَّنٍ مُكوِّنًا. وقد علمنا أنه يستحيل أن يكون المكوِّن أكثر من واحد، من خلال ما نشاهده في هذا الوجود من انتظامه جميعًا، فكل ما فيه في حركة متكاملة، كل جزء منه يكمل بقية الأجزاء، فمثله مثل العقد الذي تُنظَم خَرَجاتٌ متنوِّعة في أشكالها وأحجامها وألوانها، ولكنها مع ذلك متكاملة، بحيث لو انفَرَط هذا العقد وزال شيء من هذه الخَرَجات، لكان في ذلك اختلالٌ لهذا العقد، وتبيَّن أن هذا العقد غير متكامل. فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى هذا الكون، مادِّيَّه وروحيَّه، كله متكامل، وكلُّه سِجلٌّ يسير وفق نظام واحد، ولو أن هناك أنظمة متعددة لهذا الكون لاختل هذا الكون، وهذا يدل على أن منظِّمه واحد، وهو الذي كوَّنه، هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وأوجده بهذه الحالة التي هو عليها، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. هذا المكوِّن يستحيل أن يُهمِل هذا العالم بعد أن خلقه، ونحن نرى من حيث التكوين كيف كان الإبداع في هذا التكوين، وكيف كان الإحكام في هذا النظام، فإذًا هو أحكم الحاكمين. وكل ما في الكون إنما هو ملك له، وإن كانت جميع المكوَّنات ملكًا له؛ لأنه هو الذي كوَّنها، فإذًا هو الذي يسري فيها حُكمُه، ويجب عليها أن تمتثل أمره. ونحن نرى أن هناك مكوَّنات تجري وفق نظام معين، هي تسير وفق الطبيعة التي أرادها الله سبحانه وتعالى لها، ولا يمكن أن تخرج عن تلك الطبيعة، هذه المكوَّنات هي منسجمة مع هذا النظام. بقي أن هناك كائنات أُخرى خلقها سبحانه وتعالى، هذه الكائنات أُعطيت الإرادة، وهي مع ذلك تتحرك أيضًا وفق النواميس الطبيعية التي يتحرك وفقها العالم، ولكن فيما يعنيها من الحركات التي هي خاصة بها قد تشذ عن هذه النواميس. فهل تُهمَل؟ ويبقى لها الحبل على الغارب لتتصرف وفق الهوى ويؤدي بها ذلك إلى التصادم فيما بينها؟ لأن لكل أحد هواه، لكل أحد رغبته، لكل أحد ميوله، فلا يمكن أن تجتمع هذه النزعات وتجتمع هذه الرغبات جميعًا في نظام واحد، إلا إذا كان هناك فَرْضٌ قُدِّر عليها أن تنسجم. ولكن بما أنها أُعطيت الاختيار، فإن كل أحد يستقل بإرادته، هذا الاستقلال يؤدي إلى الخلاف الكبير، بل يؤدي إلى التطاحن ما بين الناس؛ لأن كل واحد يريد أن تُنفَّذ إرادته في إرادة الآخرين، وأن تسيطر رغبته على رغبات الآخرين، فهو يُصادِر الرغبات جميعًا لأجل أن يَجِيبَها في رغبته. ولذلك يقع الشِّقاق ما بين البشر، ويقع الخلاف، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]. هكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحياة. وإذا كان الحاكم الذي هو من جنس البشر يحكم على طائفة من البشر، لا بد من أن يقيم مملكة ويضع قوانين لرعاية شؤونهم، حتى تكون هذه القوانين مسيطرة على تحركاتهم، وحتى تنتظم أمورهم، ولأجل أن يحتكموا إليه مع الاختلاف والنزاع؛ فهل يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى الذي خلق هذا الكون الفسيح الواسع الأرجاء المتضمِّن أطرافًا، هل يمكن لهذا الإله أن يُهمِل الإنسان وقد استخلفه على جزء من مملكته، وهو هذه الأرض التي تثبت بالنظام الكوني؟ ذلك مستحيل، لا يمكن بأي حال من الأحوال. الله سبحانه وتعالى أجلُّ وأعظمُ وأعلمُ وأحكمُ من أن يُهمِل هذا الكون، وأحكمُ من أن يُهمِل الإنسان الذي خلقه واستخلفه في هذه الأرض. لذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون لهذا الإنسان دينٌ يَصِله بربه سبحانه وتعالى. هذا الدين لا يمكن أن يكون من البشر؛ لأنه لو كان من البشر لاختلف باختلاف رغبات البشر، فإن جميع البشر لا يمكن أن يهتدوا إلى الحقيقة؛ لأن الحقيقة مَحجوبةٌ بكثير من الحُجُب التي تمنع البصيرة من إدراك شأنها، كما أن البصر لا يمكن أن يَخترِق حُجُب الجبال وأوديتها فيُبصِر ما وراءها، كذلك البصيرة، أو العقل، لا يمكن للعقل أن يَخترِق الحجب المعنوية التي تحول بين الإنسان وبين إدراك الحقيقة. كما أن هذا الدين ليس هو لصِلَةٍ بين الجنس البشري وحده، وإنما هو أيضًا ما يصل الجنس البشري بالله سبحانه وتعالى أولًا، ثم يصل هذا الجنس بالكائنات المختلفة في هذا العالم الفسيح، في هذا العالم الواسع الأرجاء المترامِي الأطراف، التي تسبح كل ذرةٍ من ذراته بحمد الله. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]. ولا يمكن الإنسان أن يُدرِك بما أوتي من العلم، أو بما أوتي من العقل، لا يمكنه أن يُدرك هذه الصِّلَة التي بين هذه الأرض وبين المنظومة الكونية بأسرها، ولا يمكن أن يُدرِك سرَّ العلاقة، علاقة الإنسان بهذا الكون، حتى يشذَّ عن دين الله… وعلى أن هذا الإنسان لو رَجَع إلى عقله، فإن العقل يتأثَّر بمؤثرات كثيرة، يتأثر بمؤثرات نفسية، ويتأثر بمؤثرات اجتماعية، ولذلك يتفاوت الناس في الاستحسان والاستقباح، فنجد أحدًا يستحسن ما يستقبحه الآخر، وهذا قد يرجع إلى اختلاف البيئات؛ تكون هذه البيئة تفرض على من فيها أن يستحسنوا شيئًا، والبيئة الأُخرى تفرض على من فيها أن يستقبحوا ذلك الأمر، وقد يكون هذا التفاوت بمقتضى رغبات النفس وبمقتضى أهوائها، ولو كان هؤلاء المتفاوتون أو المختلفون في بيئة واحدة، فكلٌّ منهم يستحسن ما يستقبحه الآخر. فلو رُجِع أمر الدين إلى هؤلاء البشر، لكان معنى ذلك أن يحاول كلُّ أحدٍ أن يفرض ما عنده على غيره، وأن يُصادِر آراء الآخرين، وهذا مما يؤدي إلى الشقاق ويؤدي إلى النزاع؛ فإما أن يتسامحوا ويستقلَّ كلٌّ منهم بدينه وعبادته وتعبُّداته المختلفة، أو أن يتصادموا فيما بينهم. لذلك جعل الله سبحانه وتعالى أمر الدين أمرًا يرجع إليه، ليس هو من صُنع البشر، إنما هو من عنده سبحانه، بحسب ما قدَّر من مصالح العباد، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. فكل ما شَرَع للناس من أحكام، سواء ما يتعلق بصِلَتهم بالله تعالى، أو ما يتعلق بالعلاقات التي تربط بعضهم إلى بعض، إنما هو أمرٌ يرجع إلى الله ربِّ كل شيء، الذي له الحكم، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]. ونحن نرى أن الأمر لما حاول الناس أن يبتدعوا، ويأخذوا لأنفسهم أديانًا من عندهم، هكذا يُفرِضون فيها إرادتهم، يختلفون اختلافًا كبيرًا حتى بالنسبة إلى صلتهم بالله سبحانه وتعالى؛ يختلف منهم من قال: إن الله تبارك وتعالى –مع قيام الأدلة العقلية والنقلية على وجوده، وأنه يتجلَّى وجودُه في شهود كل شيء– إلا أنهم حاولوا أن يقولوا بأنه لا يمكن التوصُّل إليه إلا من خلال الوسائط، فلذلك اتخذوا الوسائط عبادًا، حتى البهائم. هناك من يعبد البقر، هناك من يعبد الغيلان، هناك من يعبد الشياطين، هناك من يعبد الأشياء التي لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضرًّا، ولا تسمع ولا تعقل، وهناك من يعبد الأصنام المنحوتة التي صنعها الإنسان بيديه، وإذا بهم يُقدِّسونها ويعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، هذا يرجع إلى قصور العقل البشري؛ العقل مهما كان إنما هو محدود بحدود لا يمكن أن يتجاوز تلك الحدود. لذلك كان من المفروض أن يُرجَع الأمر إلى خالق الكون، ربِّ هذا الوجود، الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء بصير، خلق كل شيء وقدَّره تقديرًا، ومن جملة ما خلق الإنسان. فالإنسان من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، أكرمه الله سبحانه وتعالى ببصيرة العقل، وأعطاه الإرادة لحكمةٍ أرادها سبحانه، حتى يتحرك الإنسان بإرادة من قبله، إلا أن هذه الإرادة لا بد من أن تكون مضبوطة بضوابط أنزلها سبحانه وتعالى، فإنها لو كانت حركتها بدون هذه الضوابط لكانت آلة تدمير، بدلًا من أن تكون آلة تعمير. وهكذا تجلَّى للناس كيف تتصرَّف البشر في هذا الكون، ما هي أفعال البشر؟ أولًا نرى هذه الحروب الطاحنة التي تُهلِك الحرث والنسل، تأتي على الأخضر واليابس، تلتهم الطارف والتليد، لا تُبقي ولا تذر، لا تزال نارُها تدور رَحاها في هذا العالم منذ وُجِد الإنسان في هذا الكون إلى يومنا هذا، إنما هذه نتيجة هذا الاختلاف، وهذا التباين في المدارك والأفكار، ومحاولة أن يفرض أحدٌ إرادته على إرادة الآخرين. إذًا الناس لا بد لهم من دين يجمعهم، هذا الدين ليس هو من صُنع البشر ولا من عقول البشر، وإنما هو من وحي الله تعالى إلى عباده، عن طريق واسطةٍ من المصطفين من خلقه في الملأ الأعلى؛ ينزل ملكٌ على أحدٍ من البشر يُبلِّغه هذه الرسالة، والذي يُنزَل عليه إنما اصطفاه سبحانه وتعالى وهيَّأه لتحمُّل هذه الأمانة حتى يُبلِّغها إلى الخلق. وقد توالت مواكب النبوات جميعًا تحمل إلى الناس هذه الرسالة، رسالة هذا الدين، وقد اتفقت هذه النبوات على هذا الدين، لم تختلف أبدًا في أمر الدين، الاختلاف في الظواهر، أما في جوهر الدين فليس هنالك خلاف، ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، الكل يأتي بهذا الدين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. الكل جاء بهذه الرسالة، وقد حكى الله سبحانه على ألسنة الصادقين من رسله أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]، وحكى عن المسيح عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72]. نعم، هذه هي رسالة الله سبحانه وتعالى إلى الخلق: أن تكون العبادة لله وحده، وأن تكون الطاعة له، أن يكون الانقياد، أن يكون الحكم لله، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وهذا هو دين الإسلام؛ فالإسلام إسلامُ النفس لله تعالى، إسلام العقل والقلب والروح والجسم والضمير والغرائز لله، حتى تكون جميع جزئيات الإنسان خاضعة لأمر الله تعالى. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161-163]. نعم، هذه هي رسالة الله تعالى إلى الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. وقد جاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله دالةً على أن جميع رسل الله المصطفين الأخيار كانوا على الإسلام، وأن الجميع الصالحين من عباده في الأمم الغابرة وفي هذه الأمة إنما هم على الإسلام. فالله سبحانه وتعالى حكى عن نوحٍ عليه السلام أنه قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]، وقال سبحانه في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 130-131]. وبيَّن سبحانه أن هذه وصية إبراهيم ويعقوب عليهم السلام إلى ذريتهم جميعًا، ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، إلى قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]. يُبيِّن لنا سبحانه وتعالى أن هؤلاء المرسلين جميعًا إنما كانوا على هذه الملة، والله ينص على أن إبراهيم كان على هذه الملة، يقول: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، ويحكي الله سبحانه عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، ويذكر الله تعالى أيضًا أن يوسف عليه السلام سأل ربَّه أن يميته على الإسلام كما كان على الإسلام من قبل، فقد قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وذكر التوراة التي أُنزِلت على موسى عليه السلام، فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44]. وكذلك بالنسبة إلى سحرة فرعون، قال عنهم إنهم كانوا على الإسلام، أعلنوا أنهم كانوا على الإسلام، وفرعون نفسه عندما أدركه الغرق ادَّعى الإسلام، ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90]. وأهل الكتاب الذين تمسَّكوا بالكتاب ولم يُفرِّطوا، ذكر الله تعالى عنهم أنهم كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 52-53]، أي كانوا قبل أن يُنزَّل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وكذلك قال الله تعالى في قضية لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35-36]. وإذا كان هذا هو الدين، لا بد من أن يكون من الله تعالى؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعمل وفق أمر الله، وفق مرضاة الله سبحانه وتعالى، إلا ببيِّنة من الله سبحانه وتعالى، فكذلك لا يمكن أن يأتي أحدٌ بنظامٍ يُصلِح الناس، ويهذِّب أخلاقهم، ويقوم سلوكهم، ويقيم حُسن العلاقة بينهم، إلا أن يكون ذلك من عند الله سبحانه وتعالى. من هنا كانت ضرورة أن يكون الحكم لله… والله تعالى أعلم.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٤‏/٨‏/٢٠١٣👁 2 مشاهدة
🎬

الدين ضرورة لصلاح الدنيا والآخرة 1 - للشيخ أحمد الخليلي 26 رمضان 1434 هـ HD

الحديث الشريفالعقيدةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

لماذا خلق الله الإنسان

2 👁

لماذا خلق الله الإنسان وماذا يريد الله تعالى منه في هذه الحياة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/١‏/٢٠٢١

حكم الله وحده في الخلق

2 👁

كيف تحدث القرآن الكريم عن قضية حكم الله في البشرية والحياة، وما أدلته على أن الحكم له وحده؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٢‏/٢٠٢٠

موازنة النقل والعقل

2 👁

كيف وازن القرآن الكريم بين الجانب النقلي والعقلي في إثبات الألوهية وصفات الله وما يليق به من أسماء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/١٢‏/٢٠٢٠

اليقين بإجابة الدعاء

4 👁

هل يجب على الداعي اليقين بإجابة دعائه حين يدعو الله؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٣‏/٣‏/٢٠٢٤

حكم الله وحده

2 👁

كيف تحدث القرآن الكريم عن قضية حكم الله في البشر والحياة، وما الدليل على أن الحكم له وحده؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/١٢‏/٢٠٢٠

التوازن بين النقل والعقل في التوحيد

2 👁

كيف وازن القرآن الكريم بين الجانب النقلي والعقلي في إثبات الألوهية وصفات الله وأسمائه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٢‏/٢٠٢٠