⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا موضوعان عالجَهما كتابُ الله عز وجل ممّا تاه فيهما كثير من الفلاسفة والحكماء والعقلاء والأدباء في تاريخ هذه الإنسانية؛ هاتان القضيتان تتمثلان في الخروج بميزان عدلٍ قِسْط يحقق التوازن والوسطية فيهما.
أما الأمر الأول فهو الموازنة بين السلطة والحرية، وأما الأمر الثاني فهو الموازنة بين المجتمع والفرد.
نحن نجد أن التشريعات الخُلقية الواردة في كتاب الله عز وجل – فيما يتصل بقضية الموازنة بين السلطة والحرية – راعت أن كل المجتمعات بحاجة إلى سلطة عادلة تبسط العدل وتنشر القيم والأخلاق، وتراقب سير حركة المجتمع، فتكافئ المحسن، وتردّ المسيء إلى الصلاح والخير والرشاد، بحيث لا يطغى أداءُ السلطة على حقوق الأفراد وحرياتهم فتتحول السلطة إلى استبداد؛ لأن السلطة نفسها أُقيمت على مبادئ من حسن الاختيار، ومن ممارسة الشورى، ومن بسط العدل، كمبادئ عامة لا بد من المحافظة عليها وإن اختلفت الكيفيات، وكل ذلك في سبيل رعاية حريات الأفراد بما يضمن تصرفهم وفقًا بما لا يرجع على هذه المنظومة بالسوء والفساد.
وفيما يتصل بالموازنة بين المجتمع والفرد، نجد أيضًا أن للفرد حقوقًا لكن عليه واجبات، كما أن للمجتمع حقوقًا على الأفراد فإن على المجتمع أيضًا واجبات نحو الأفراد. هذا يتمثل في تاريخنا التشريعي بما يعرفه الفقهاء بفروض الكفاية.
ففروض الكفاية – على خلاف ما يظنه كثير من الناس من أنها مما لا يُعبأ به؛ لأنها إن أداها البعض سقطت عن الآخرين، فيمثَّل لها بأمثلة بسيطة مما يتصل بجوانب العبادات ولا دخل له ولا صلة في تمثيلهم ببناء المجتمعات ونهضتها وتنميتها – خطأ؛ يمثلون لها كما قلت بأنماط من فقه العبادات فقط.
مع أن تعريف علماء الإسلام لفروض الكفاية: إنها مهمٌّ حتميٌّ أُريد حصولُه بقطع النظر عن فاعله. فلما قالوا بأنه – أي فرض الكفاية – مهمٌّ حتميٌّ دلّ على أمرين اثنين: على أهميته ومنزلته، ثم على حتمية إيقاعه في المجتمع. نعم، ولذلك طُلب حصولُه بقطع النظر عن فاعله لأهمية حصوله ووجوده في واقع حياة الناس، فلا يهم من الذي يقوم به، لكن جماعةً من المسلمين لا بد – ولو فردًا – أن يقوموا به حتى يتحقق هذا المهم الحتمي ويكون موجودًا في واقع حياة الناس.
ومثّلوا لذلك بأنواع العلوم والمهارات والحِرَف والمِهَن التي يحتاج إليها بناء المجتمع، وتحتاج إليها نهضة هذه المجتمعات وتنميتها. نعم، فهناك موازنة بين حقوق المجتمع وحقوق الأفراد.
الخلل حينما يصيب أحد هذين الجانبين فإن نتيجته المباشرة تظهر على أخلاق الأفراد، وبالتالي على أخلاق المجتمعات؛ سوف تتأثر أخلاق الفرد، وتبعًا لذلك سوف تتأثر أخلاق الأسرة، ثم سيكون هناك انهيار في منظومة أخلاق المجتمع بأسرها.
هذه التقنيات الحديثة كما تفضلتم وكما يعرف الجميع أتاحت للفرد أن يكون متواصلاً متفاعلاً مع العالم أجمع، يؤثر ويتأثر؛ الذي نجده اليوم أن هذا التواصل حينما لم يُبنَ على تأصيل صحيح فإنه غذّى في الأفراد أن عليهم – أن على العالم – أن يستمع إليهم، وأن ما يرونه صوابًا على المجتمع أيضًا أن يراه صوابًا، وأن ما يرونه خطأً وإشكالًا فهم يُسقطون على المجتمع أنه أيضًا من الإشكاليات؛ فلا يتهمون أنفسهم، ولا يرجعون إلى منظومة قيم المجتمع لمراجعة أفكارهم وللتحقق من رؤاهم، ومن نظراتهم التي يُعملونها في مختلف أوجه هذه الحياة ومجالات الفكر فيها.
وهذا يتجلى في كل الجوانب: في الجوانب الثقافية والاجتماعية، بل حتى في الجوانب الفنية، وفي جوانب المال والاقتصاد، فضلًا عن جوانب الفكر والعلوم والمعارف والثقافات.
فتجد أن الذي يتواصل مع العالم الخارجي يريد أن يُلزم الناس بفكرٍ لم يرجع هو فيها بعدُ إلى قيم المجتمع وإلى ما يحفظ هوية الأمة، وإنما يتجرأ اعتدادُه برأيه وأعمالُ ذاته في أن ينشر وأن يسعى إلى الدفاع عن نفسه لا عن رأيه حينها، وأن ينتصر لرأيه لا أن يكون انتصارُه طلبًا لتحرّي الحق ووصولًا إلى العدالة.
ولذلك نجد أن هذا الخلل أصاب الناس حتى في علاقاتهم الاجتماعية؛ تجد اليوم كثيرًا من المربين وعلماء الاجتماع يتحدثون عن القطيعة الحاصلة في الترابط الأسري، وفي الترابط بين الأرحام، ويتحدثون عن آثار بليغة نتجت من جراء انغماس الفرد في هذه الوسائل، واعتداده بها دون عودته إلى برّه بوالديه، صلته بأرحامه، محافظته على أسرته، وصلته لأبناء المجتمع من حوله.
وبالتالي أثر ذلك – فيما يتصل بالقيم والأخلاق – على قيم الألفة والمحبة والتآلف والترابط، بل حتى في منظومة الأخوّة الإسلامية أو الأخوّة الإيمانية التي أقرّتها هذه الشريعة مبدأ يقوم عليه بناء المجتمع.
وكذا الحال إذا ما قلّبتَ النظر فيما يتصل بجوانب الفكر والثقافة والمعرفة؛ فالفكر عند الفرد يكون من المشاريع التي يتبناها قبل تمحيصها، وقبل مشاورته فيها، وقبل رجوعه إلى أهل العلم فيها؛ لا حرج في أن يُبدي نظره وأن يبسط ما لديه، لكن قصده هنا أن يستأنس برأي غيره وأن يستشير لأجل أن يُمحّص تلك الفكرة فيصل فيها إلى الصواب.
انعدم هذا كله، فتجد أن الفكرة – قبل نضجها وتمام التفكير فيها والتشاور مع أهل العلم والاختصاص فيها – إذا بك تجد أنها تشق طريقها، وأنها تُعرض أيضًا بأسلوبٍ يدعو الآخرين إلى الالتزام بها؛ فإن ظهر نقدٌ فإن ذلك النقد يُفسَّر أيضًا تفسيرًا ذاتيًا فرديًا، دون العودة إلى الاحتكام إلى المنهج العلمي الصحيح المبني – في كثير من مبادئه ومبانيه – على جملة من القيم والأخلاق.