⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن التعايش ما بين البشر سنة من سنن هذه الحياة، والإسلام ينظر إلى ذلك من زوايا متعددة، وهو ينظر إلى هذه القضية باعتبار الاختلاف بين البشر في المشارب والأفكار، واختلافهم في المواهب والطاقات سنة من سنن الله تعالى.
فالله سبحانه وتعالى خلق الناس أمة واحدة، وعلى رأي بعض المحققين من المفسرين المتأخرين أن معنى خلقهم أمة واحدة هو وجود الاحتياج من كل أحد إلى الناس الآخرين، فكل إنسان هو بحاجة إلى غيره، لم يجعل الله سبحانه وتعالى طبقة من طبقات البشر تستغني عن سائر الطبقات؛ الحكام مثلا هم بحاجة إلى طبقات الناس جميعا، الملك هو بحاجة إلى الوزراء والخبراء والمستشارين والإداريين والقضاة، وهو بحاجة أيضا إلى العمال على اختلاف أعمالهم واختلاف تخصصاتهم العلمية واختصاصاتهم العملية، فهو بحاجة إلى السباك، وبحاجة إلى الطباخ، وبحاجة إلى الكناس، وبحاجة إلى النجار، وبحاجة إلى الحداد، وبحاجة إلى الكهربائي، وبحاجة إلى كل الناس، فلا يوجد أحد من الناس يستغني عن الآخرين، وإنما جعل الله سبحانه وتعالى كل أحد يخدم غيره من خلال خدمته لنفسه: والناس للناس من بدو ومن حضر بعض لبعض وإن لم يعلموا خدموا.
هكذا سنة الحياة، فإذا الناس كانوا بهذا أمة واحدة، ولذلك هم بحاجة إلى فقه التعايش؛ لأن مصالحهم متداخلة ومنافعهم متشابكة، ولابد من أن يكون مع ذلك تجاذب وتدافع، فلذلك كانوا بحاجة إلى ما يحل مشكلاتهم ويفض نزاعاتهم لتكون حياتهم حياة انسجام، هذا معنى كونهم أمة واحدة.
ومع هذا أيضا خلق الله سبحانه وتعالى البشر متفاوتين في الأفكار، ومتفاوتين في المبادئ والأهداف، وهذا ما يوحي به قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]، فهناك اختلاف قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون؛ من الناس من هو مؤمن، ومن الناس من هو فاجر، من الناس من هو مؤمن، ومن الناس من هو كافر، من الناس من هو بر، ومن الناس من هو فاجر.
والله سبحانه وتعالى يأمر بالدعوة إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، والدعوة لابد منها، ولكن مع ذلك هذه الدعوة لا تعني أن يحول الإنسان الناس حتى يكونوا هداة مهديين أو يوفقهم لذلك، إذ التوفيق بيد الله، والله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، ويقول عز من قائل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
فإذن على الداعية، سواء كان نبيا مرسلا أو كان قائدا مصلحا أو كان عالما محققا، أن يحرص على إبلاغ الهداية إلى الناس، وليس عليه أن يحولهم مما هم فيه وعليه؛ لأن هذه قضية لا يمكن للإنسان أن يقدر عليها بحال من الأحوال، إنما ذلك من مقدور الله تعالى الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، بيده الخير وبيده القلوب يصرفها كما يشاء سبحانه وتعالى.
فإذا التعايش هنا تعايش بين أصحاب الملة الواحدة؛ أصحاب الملة الواحدة عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن تتظافر جهودهم من أجل خدمة مصالحهم حتى تكون مصالحهم كلها مصالح مشتركة تعود بالمنفعة على الكل؛ فالكل إنما يسعد بالوفاق الذي يكون بين أهل المدينة الواحدة، وبهذا يتقوَّوا.
ومن هنا نرى أن القرآن الكريم حذر أيما تحذير من كل شقاق بين الناس، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]، ويأمر سبحانه وتعالى بالاعتصام بحبله والتمسك بأهداب الوفاق فيما بين الأمة، كما يأمر بالتمسك بدينه الحنيف وبالعقل التي تبصر الناس بمبدئهم ومعالمه، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 102-103]، ثم يذكر العباد نعمته عليهم بما حصل بينهم من أسباب الوفاق بسبب هذا الدين الجامع للشتات بعد ما كانوا متفرقين أوزاعا، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
وهناك أيضا بين أصحاب الملل؛ الإسلام يؤطر العلاقة التي تكون بين المسلمين وبين أصحاب الملل مهما كان من خلاف، الله سبحانه وتعالى يأمر أن تكون هذه العلاقة علاقة بر وقسط مع الذين هم مسالمون، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، إن الله يحب المقسطين؛ فالبر والقسط مطلوب من المسلم تجاه غير المسلمين، ولذلك يجب أن تكون هذه العلاقة مع المسالمين علاقة بر وقسط، بخلاف الذي يتصدى للأمة ويحاول أن يسلبها حقوقها ويحاول أن يذلها، هذا اعتدى بنفسه، هو الذي سبب لنفسه عداوة الأمة له.
فمن هنا يجب على المسلم أن يدرك مكانه؛ فالمسلم يتعامل مع الآخرين بتواضع من غير ذل، وبثقة من غير غرور، لا يكون مستعليا، ولذلك نحن نجد في تعاليم القرآن ما يدعو إلى حسن النظر إلى الآخرين؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، ثم يبين للناس أنهم ينحدرون من أصل واحد، هم من آدم وحواء، لا فرق بينهم، لا فرق بين البيض والسود، ولا بين العرب والعجم، ولا بين الشعوب في هذا الأمر؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، إن الله عليم خبير.
هذا لا يعني أن المسلم يعتقد أن الإسلام يزاحَم من قبل الأديان الأخرى، لا، ولكن مع ذلك لا يدري بخاتمة نفسه، ولا يدري بخواتيم الآخرين؛ حتى غير المسلمين: كم من مسلم والعياذ بالله يختم له بخاتمة السوء فيكفر بعد إيمان، وكم من أناس كانوا على غير الإسلام، وعندما أراد الله تعالى أن يكرمهم هداهم للإيمان، نعم فآمنوا؛ ولذلك على الإنسان دائما أن يدرك أن التفاضل ما بين الناس إنما هو بتقوى الله، والتفاضل أيضا إنما هو بالخواتيم التي تختم لكل أحد؛ البر قد يفجر والعياذ بالله فيشقى، والفاجر قد يبر فيسعد؛ فلذلك ليس لأحد أن يجعل لنفسه أفضلية على غيره.
هكذا يكون التعامل مع الناس، والأخلاق التي يتعامل بها المسلم مع المسلم ومع غير المسلم إنما هي الأخلاق التي تقرب ولا تبعد، وتحبب ولا تبغض، وتؤلف ولا تنفر، وتجمع ولا تشتت؛ الله تعالى قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ما قال: قولوا للمؤمنين أو للمسلمين حسنى، نعم، وإنما هذا حق لجميع الناس أن يقال لهم القول الحسن؛ ما جاء في قراءة من القراءات: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًاهُ﴾، وهي قراءة سبعية؛ معنى ذلك أن الإنسان يتعامل مع الآخرين بالأخلاق، وهكذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم من جاءه يستوصيه: «قل آمنت بالله ثم استقم، وخالق الناس بخلق حسن»، يؤمر أن يخالق الناس بالخلق الحسن.
ونحن نرى في الآيات التي نزلت في سورة الحجرات ما يؤذن بأن في المجتمع حقوقا للمسلمين خاصة، وحقوقا فيما بين الناس مشتركة؛ الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12]، فكرهتموه، هذا حق للمسلم: ألا يغتاب مسلم مسلما؛ أما بالنسبة إلى التجسس قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، ولم يقل: ولا يتجسس بعضكم على بعض؛ وإنما قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، فغير المسلم الموجود في المجتمع المسلم لا يصبح ويمسي قلقا من تطاول عيون الناس على ما عنده ومحاولة اكتشافهم معايبه واطلاعهم على أسراره، لا، هو وأسراره وما ينطوي عليه من صلاح أو فساد، إنما ذلك من نفسه؛ لا يتطاول أحد فيتجسس؛ هذا مشروع لكل أحد برا كان أو فاجرا، مسلما كان أو كافرا.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، ولفظ «الناس» يشمل جميع الناس؛ يشمل البررة والفجرة، يشمل المؤمنين والكفرة، فالكل داخلون في عموم لفظ الناس، كل هؤلاء لهم حقوق مشتركة.