⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فإن الإسلام من أوله إلى آخره أخلاق. الإسلام لا يفقد في أي جزئية من جزئياته فضلا عن كلياته عنصر الأخلاق، فالأخلاق متمثلة في العبادات المشروعة، ومتمثلة في المعاملات التي تكون بين الناس، والمتمثلة في السلوك الاجتماعي الذي ينخرط فيه كل من انتمى إلى هذا الدين.
وحسبنا من هذا أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نقول حسنا لكل الناس، فقد قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ولم يقل: وقولوا للمؤمنين أو للمحسنين أو للمتقين أو للمسلمين حسنا، وإنما قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وكلمة الناس تصدق على البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والصالح والطالح، فالإنسان مطالب بأن يقول الكلمة الحسنة في تعامله مع جميع الناس.
ولا ريب أن لهذه الكلمة الحسنة تأثيرا بالغا في جذب النفوس وتآليف القلوب، واستجلاب السخائم والأحقاد، والقضاء على العداوات والخلاف. فنحن نجد أن الله سبحانه وتعالى يوصينا بالدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولكن مع ذلك يبين لنا تأثير الكلمة الهادفة الطيبة الهادئة التي تنطلق من أعماق قلب مخلص يزكي هذه الكلمة بإخلاصه، ويصدقها بعمله، ويهذبها بأخلاقه، هذه الكلمة تعمل عمل السحر في نفوس الناس.
فقد قال عز من قائل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 33-35]، نعم، هذا اللطف الذي يوصينا الله سبحانه وتعالى به في مقام الدعوة إنما يدل على أن الدعوة يجب أن تكون مصحوبة بالأخلاق.
ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، هذه المراحل كلها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ بحيث يحاول أن يتألف الإنسان وأن يحبب ما يدعو إليه في نفوس الناس، بحيث يقول الكلمة التي توصل الحقيقة إلى أعماق النفوس، وتؤثر على هذه النفوس، وتجتذبها لقبول هذه الحقيقة والتفاعل معها، لأنها كلمة جاءت موزونة بموازين الأخلاق، جاءت لتبصر بالحقيقة وترغب في اتباع هذه الحقيقة.
ومن كان فيه شيء من النفور فإنه يعالج بالموعظة الحسنة، وفوق ذلك المجادلة لمن كان أكثر نفورا بالتي هي أحسن. والله سبحانه وتعالى يأمرنا في حق أهل الكتاب أن نجادلهم بالتي هي أحسن، وينهانا عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
وهذا لم يكن في هذه الرسالة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، وإن كانت هذه الرسالة هي على قمة الأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم نحو نفسه كان يجسد جميع الأخلاق العليا الفاضلة، كان مثالا للإنسان الكامل في إنسانيته، ولكن مع ذلك نجد ما يدل على هذا فيما وصى الله سبحانه وتعالى به الرسل المتقدمين.
ففرعون أعتى الناس وأشقاهم وأبعدهم عن الحق، وأغلظ في الضلالة، وأجرؤهم على الله، ادعى أنه هو الإله، وأنه لا يعلم للناس إلها غيره، ولكن مع ذلك ماذا قال الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون في حقه، في حق فرعون، بماذا أمرهما أن يقولا له؟ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، مع أن الله تعالى يعلم أنه لا يتذكر ولا يخشى.
وعلى أي حال هكذا القرآن الكريم ورسالات الله سبحانه وتعالى جميعا تبصر الناس بحسن التعامل مع المدعوين، ومع الموجهين، ومع المعلمين، ومع المرشدين، أي على كل معلم أن يعلم بالتي هي أحسن، وعلى كل مرشد أن يرشد بالتي هي أحسن، وعلى كل داعية أن يدعو بالتي هي أحسن.