⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
القرآن الكريم واضح في الدعوة إلى قبول الحق ممن جاء به، وإلى نبذ الانتصار للنفس استجابةً لداعي الهوى وحب الذات، نعم، بل إن القرآن الكريم يؤكد أن الحق أولى أن يُتَّبَع، وأن يكون هوى الأنفس تبعا للحق، نعم.
فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، ويقول: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، ويقول: ﴿فَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
والذي يحصل في هذه الأمثلة التي ذكرتها: أن الحوار يتحول بعد ذلك إلى انتصار للنفس، نعم، وتغليبٍ للرأي، وتغلُّبٍ على الآخر، فتضيع الحقيقة في هذا الخضم من الصراع الذي دفعته الأهواء والمصالح، نعم.
أما ما نجده في كتاب الله عز وجل من أمثلة، نجد فيها أن أسس الحوار تقوم على إنزال المحاوِر منزلةً تسمح له أن يتحدث، تسمح له أن يحاور، نعم، تدعو النفسَ أن تجعل نفسها في محل السماع والقبول؛ مع أنه –حينما ننظر على سبيل المثال في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾– فهو يُنزِل نفسه منزلةَ المحاوِر، مع أنه النبي الذي يدعو إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، لكن حتى يزيل أي توهُّمٍ بالغلبة، وأن المقصود إنما هو فقط إقامة الحجة دون الدخول في حوار جاد، يُبعِد كلَّ ذلك حتى يُنزِل نفسه منزلةَ من يحاوره: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
نجد في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ فينسب الإجرام إلى نفسه، ويقول لهم: أنتم لا تُسألون عن إجرامنا، ويخاطبهم هم، ويُنَزَّه عن الإجرام، يقول: ونحن لا نُسأل عما تعملون أنتم، نعم.
فلذلك نجد حوارات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: من حوار خليل الله إبراهيم عليه السلام لأبيه ولقومه، من حوار نوحٍ لقومه، من حوار موسى عليه السلام لفرعون وملئه، من حوار نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقومه الذين بُعِث فيهم؛ نجد أن هذه الحوارات تقوم على تتبع الحق والتهيؤ لقبوله، وإنزال الآخر منزلةَ الاحترام في هذا السياق، سياق الحوار، البعدِ عن ما يمكن أن يدفعه إلى الصدود والجفاء، نعم، وجذبِ هذا المحاوِر بما يدعو إلى لِينِ قلبه.
ربنا تبارك وتعالى يقول مخاطبا موسى عليه السلام وأخاه هارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، نعم.
وهكذا فهم أيضا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصلحاء من بعدهم؛ لأن هذه الحوارات –يعني– ذُكِر كثيرا عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كيف أنه كان يقبل –بل قبله الصديق رضي الله عنه، نعم– حينما يقف رجل من عموم الناس ويأمره بالتقوى، نعم، فيستعظم بعض السامعين ذلك، فيوقِفُه ويقول: لا، لا خير فيكم إن لم تقولُوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها أو إن لم نقبلها؛ على من يرى صحة هذه الروايات، وهي روايات تتعلق بالسِّيرة، لا تتعلق بالسنة التي تُبنى عليها شريعة أو فضائل أعمال، وإنما هي أمثلةٌ قريبة –أقصد بقولي قريبة: أن وقوعها محتملٌ مضمونٌ غالبٌ أن يصدر من أمثال هؤلاء العظماء– فنجد في سيرهم الكثير من أمثال هذه القصص، الكثير من أمثال هذه المواقف التي كان فيها الامتثال والالتزام بتلك المبادئ المتعلقة بالحوار وما نعرفه نحن اليوم بالنقد، نعم.
أما من ذكرتَهم وأشرتَ إليهم، فإن الغالب –للأسف الشديد– ما تقدم: من الانتصار للرأي والهوى والنفس، والتغلُّب على الآخر، حشْدِ الحشود من أجل ذلك؛ ولذلك تضيَّع الحقيقة.
والله تعالى المستعان.