⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، على كل حال حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي بيّن فيه أن هناك الإسلام والإيمان والإحسان، بعض أهل العلم كالمحقق الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى في نونيته التي خصّها لهذا، بيّن هناك هذه المراتب بالتفصيل؛ بحيث يسعى المرء لتزكية نفسه ليقطع المرحلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وهكذا يرتقي.
وهناك من أهل العلم الكثير من بيّنوا أن للسالكين مدارج، فكلٌّ بحسب قدرته، كلٌّ بحسب اجتهاده، وكذلك بتوفيق الله سبحانه وتعالى له نعم، وفضل الله تعالى واسع.
وإنما في أمر التزكية يجب أول ما يجب أن يسلم العبد نفسه لله سبحانه وتعالى، هذه من أهم قواعد التزكية على الإطلاق نعم؛ من أراد الخير لنفسه، من أراد أن يرتقي عليه أن يترك حظوظ نفسه، أن يترك ما يسمى بـ «الأنَا»، بحيث لا يلتفت إلى نفسه أبدًا، لا يراعي حظوظ نفسه، وإنما يسلم نفسه لربه ومولاه وسيده سبحانه وتعالى.
ليس في هذا نكران للذات كما أشرت بالأمس، ولكن في هذا استسلام لشرع الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ نعم.
إن كان هناك حظ للنفس، حظ للنفس، فإن هذا الحظ للنفس قد يؤدي بصاحبه إلى الإعراض عن حب الله عز وجل، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما» نعم، يقدم حب الله تعالى على كل حب، ثم يأتي بعد ذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة، ثم بعد ذلك الأمور الأخرى.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به، تبعًا لما جئتُ به»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده»، في بعض الألفاظ: «والناس أجمعين»، وفي بعضها: «حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه» نعم.
إذاً هناك حب لله عز وجل يفوق كل حب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ولذلك يقول الإمام أبو مسلم رحمه الله تعالى: «تجرّدتُ من نفسي فلم يبقَ لي أنا، فلم يبقَ لي أنا»، تجرد من هذا، «وطارت روحي بأجنحة الفناء لمن هو أهل المجد والعز والغنى، لمن هو أهل الحمد والمدح والثناء، لذي الفضل والآلاء خير مفيد».
ويقول في موضع آخر: «وأرهِقْ جُنودَ النفسِ حربًا ولا تَهِنْ».
والإمام العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى يقول في بداية قصيدته الميمية:
تقدَّمْ إلى باب الكريم مقدِّمًا
لَهُ مِنْكَ نَفْسًا قَبْلَ أنْ تَتَقَدَّمَا
هذه النفس كما يقال: جعلها تضحية، لا تلتفت إليها حيث أمرك المولى تعالى فامتثِل، وحيث نهاك فانتهِ.
لا يعني ذلك –كما قلت– أن يتنكر المرء للأمور الطبيعية التي خلقها في البشر من الأكل والشرب والنكاح، هو يأتي هذا كله ولكن لأن الله تعالى أذن له به، ولا يشغله ذلك عن مولاه سبحانه وتعالى نعم؛ فهذه الدنيا لا يلتفت إليها إلا على أنها شيء في يده يقلبه، لا تسكن قلبه ولا يطمئن إليها، وإنما نظره إلى مستقبل آخر، إلى دار أخرى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ لو كانوا يعلمون، أي: لهي الحياة الحقيقية.
فهذه الحياة الدنيا كما وصف الله تعالى كسراب بقيعة، فهكذا شأن من أراد أن يصل إلى هذه الدرجات.
الإمام أبو مسلم رحمه الله تعالى عندما يخمّس هذه الأبيات، بيت الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، يقول:
هو الله فاعرفه ودعْ فيه مَن وما
دعاك ولم يترك طريقَك مظلمًا
عن الحق نحو الخلق يدفعُك العمى
تقدَّمْ إلى باب الكريم مقدِّمًا
له منك نفسًا قبل أن تتقدَّمَا
«هو الله فاعرفه ودع فيه من وما»؛ قد يُفهم هذا: دع فيه «من» و«ما» الأسئلة التي فيها انتقاص للمولى سبحانه وتعالى، الممنوعة: «مَن» و«ما» التي لا يُسأل بها إلا عن مخلوق، والله تعالى منزَّه عن الجسمية والعرضية وصفات المخلوقين نعم.
وقد يُفهَم منها أيضًا: دع فيه من وما، لا تشتغل بأي كائن كان؛ كان جمادًا أو كان حيوانًا، كان إنسًا أو جنًّا أو ملكًا أو غير ذلك، لا تشتغل فيه به، وإنما وجّه نفسك بالكلية لمن؟ لله سبحانه وتعالى نعم.