⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن أنبياء الله تعالى الذين حملهم رسالته إلى خلقه هم قوم اصطفاهم الله سبحانه وتعالى وصُنِعوا على عينه، فكانوا متميزين على جميع الناس، بحيث كانوا يفوقون الناس عقلاً وبصيرةً وحسن سلوك واستقامةً على المنهج، وكانوا أيضاً من حيث الخُلُق آيةً في التحلي بمكارم الأخلاق، فهم من كل ناحية من النواحي يفوقون الناس جميعاً.
ومن خصائصهم ومزاياهم هذه العصمة، هذه العصمة هي بطبيعة الحال تمنعهم من التردي والانزلاق في المهاوي والإقدام على معصية الله سبحانه وتعالى، ولكن مع هذا هم بشر لم يخرجوا عن طور البشر، لم يكونوا أمة تخلت عن جميع طباع البشر، ففيهم الطباع البشرية. ولا ريب أن كل رسول منهم هو حريصٌ كل الحرص على هداية قومه وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والنبي صلى الله عليه وسلم كان على رأس هؤلاء، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يعاتبه الله تعالى عتاباً لطيفاً بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، وبقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، هذا يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم الزائد على هداية قومه وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يكاد يبخع نفسه، أي يهلك نفسه من كثرة ما يحملها من الهموم في ذلك.
ولا ريب أنه عليه أفضل الصلاة والسلام من منطلق هذه الرغبة الشديدة في علاج مشكلة قومه وإخراجهم من الظلمات إلى النور كان ربما يجتهد بعض الاجتهاد الذي يتصور من خلاله أن ذلك مما سيؤدي به إلى النجاح في طريقه هذا، فقضية أسرى بدر إنما تدل على رغبته عليه أفضل الصلاة والسلام في الرفق بقومه عليه الصلاة والسلام، لعل الله سبحانه وتعالى ينقذهم، لعل الله سبحانه وتعالى يهديهم، لعل هؤلاء الذين وقعوا أسرى في أيدي المسلمين تعود إليهم أحلامهم عندما يمُنّ عليهم المسلمون بفك أسرهم وإعادتهم إلى ذويهم سالمين غانمين، فإن هذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى أن يفكر أصحاب المروءات.
ولا ريب أن أولئك القوم مهما شطوا في الضلال أو غلوا في الكفر وبعدوا عن النهج السوي وتعفنت فطرهم وأظلمت عقولهم، إلا أنهم لا يزال عندهم شيء من البقايا، من بقايا النخوة ومن بقايا المروءة، فلربما كانت هذه المروءة سبباً في عودتهم إلى الحق، فلذلك رجح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، رأيَ من رأى بأن يُسمح، وأن لا تُضرَب رقابُهم، حرصاً على رجوعهم إلى الحق، ولا ريب أن منهم من رجع إلى الحق.
ولكن حكمةَ الله كانت تقتضي أن يُرهب أعداءَ الله في أول الأمر وأن يُثخَن في الأرض حتى يعود الناس إلى بصيرتهم من خلال رؤيتهم كيف يُنفَّذ أمر الله تعالى في هؤلاء الطغاة المتمردين، فلذلك نزل القرآن الكريم بما يؤيد موقفَ عمر بن الخطاب وموقفَ عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما في هذه القضية. نعم، وهذا لا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معصوماً من الزلل، كان معصوماً، إذ هذه مهما كانت إلا أنها تظل في حدود الاجتهاد الذي يرمي إلى المقصد الحسن والغاية النبيلة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم يريد بهذا أن يردهم إلى الحق رداً جميلاً، كانت هكذا رغبته عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يكن منزعَه منزعَ الطمع وحبَّ ما يأتي من أولئك من فديةٍ لفك أسرى، لكن كان يريد أن يتألف قلوبهم بكل ما يمكن.
وكذلك قضيته مع ابن أم مكتوم، فإنه كان في حديث مع أولئك العتاة عتاةِ الكفر، فرغب عليه أفضل الصلاة والسلام أن لا ينقطع حديثه معهم، ولذلك وقع في نفسه شيءٌ من الكراهة لمجيء ابن أم مكتوم، وهذا من الطبائع البشرية؛ عندما يتعلق الإنسان بشيء فإنه لا يحب أن يقطع عليه أحدٌ سبيله إليه، فهو يريد أن يهدي هؤلاء، ولكن كما قيل: سيئات الأبرار حسناتُ المقربين، فبقدر ما يكون الإنسان أرفع قدراً وأعظم شأناً وأجل مكانة فإنه يكون أحقَّ بالعتاب ممن هو دونه، هكذا تقتضي الأحوال، فلذلك كان يُعاتَب النبي صلى الله عليه وسلم لأن مقامه أكبر.
أما بالنسبة إلى آدم عليه السلام فإن آدم خالف ما أُمر به، ووسوس إليه الشيطان فأنساه عهدَ الله، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، ونسيَ ذلك العهد الذي كان من الله، ولم يكن منه عزمٌ على أن يقدم على المعصية، هذا الذي يدل، وإنما كان ذلك معصيةً بالنظر إلى قدره؛ إذ كان حرياً مع قدره العالي أن يكون شديدَ التذكُّر لذلك العهد حتى لا يُنسيَه شيءٌ ذلك العهد الذي كان بينه وبين ربِّه سبحانه وتعالى.
وبالنسبة إلى نوح فرُؤي أنه كان موعوداً من قبل الله سبحانه وتعالى بأن يُنجيَه وأهلَه، ورُجّح أن تكون أخذته عاطفةُ الأبوة تجاه البنوة، فرجا أن يكون ابنه من أهله، قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، وظن أنه مهما عَمِل فقد لقي من الجزاء ما لقي، ولكن يظل هو من أهله ويكون من الناجين يوم القيامة، فلذلك طمع في هذه الرحمة، الرحمةِ العظيمةِ رحمةِ الله تعالى، ولكن ما كانت هنالك محاباة، هو عصى أمرَ أبيه وعملَ عملاً غير الصالح بنسيانه ذلك، فلذلك قال الله تعالى تعليلاً لكونه من غير أهله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، هذا في قراءة الجمهور، وقرأ الكسائي: ﴿إِنَّهُ عَمِلٌ غَيْرَ صَالِحٍ﴾، وهذه قراءة مروية عن أربعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فإذاً هذه عاطفةٌ أخذته، ولا يعني ذلك أنه يقدم على مخالفة أمر الله، ولذلك على الفور قال مخاطباً ربه سبحانه: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. نعم، إذاً فالعصمة موجودة...