⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، نعم، هناك ما يصادم العقل وهناك ما يصادم العادة.
ما يصدم العقل: اجتماع النقيضين أمر لا يمكن أن يقبله العقل، لا لأن العادة جرت بخلاف ذلك، ولكن لأنه يتعذَّر تصوُّر ذلك؛ أن يجتمع النقيضان في وقتٍ واحد.
كذلك بالنسبة إلى الأمور المستحيلة يدرك العقل استحالتها، يدرك العقل استحالة أن يُصنع هذا الكون من غير صانع، أن يتكوَّن هذا الكون أو يتصنَّع من غير صانع، هذا مما يدركه العقل؛ لأنه ليس من المعقول أن يخرج شيء من العدم إلى الوجود من غير أن يكون هنالك موجد. نعم، يُستدل لذلك بما عُرف، ولكن هذه العوائد التي جرت لا يمكن أن تُخترق أيضًا؛ لا يمكن أن يأتي يوم من الأيام يوجد فيه شيء، توجد فيه صنعة بدون الصانع، جرت العادة بأن الصنعة تحتاج إلى الصانع.
والله سبحانه وتعالى جعل مظاهر في هذا الكون تدل على ذلك لتقوم الحجة على الناس، كما رُوي عن أحد العلماء أنه كان في مجادلة مع أحد الملحدين، واتُّفق على أن يلتقيَا في يومٍ من الأيام في مكان، فتأخر العالم، وظن الملحد أنه بلغ مراده، وأن خصمه عجز عن المجيء لأنه يخشى الفشل إذ لا يجد حجة يقاوم بها الإلحاد. فلما جاء العالم سأله: ما الذي أخَّرك؟ قال له: رأيت عجبًا. قال: أي عجب؟ قال: شجرة تشققت وخرجت منها ألواح، ثم اجتمعت الألواح، وجاءت مسامير ودخلت فيها، وإذا بهذه الألواح تتكون منها سفينة، ثم بهذه السفينة وجدت هذه السفينة تمشي بنفسها إلى البحر، وإذا بها تنتهي إلى البحر، فركبتُ عليها وجئتُ إلى هنا. فقال له: ما أكذبك! كيف يُتصوَّر أن تتشقق شجرةٌ بنفسها هكذا؟ قال: إذا هل يُتصور أن المعلوم يوجد نفسه من غير موجد؟ إذا كان الموجود لا يمكن أن يصنع نفسه حتى يتحول من وضعٍ إلى وضعٍ آخر إلا بالصانع، فكيف بالمعدوم الذي لم يكن له وجود، كيف يمكن أن يوجد نفسه ويُخرج نفسه من العدم إلى الوجود؟ فقامت بهذه الحجة على الملحد.
نعم، العقل بطبيعة الحال يُدرك هذه الحقائق، ولكن علينا أن نفرق بين عقلٍ وعقل؛ بين عقلٍ نوَّره الله تعالى وجعل له بصيرة، وبين عقلٍ طمس الله تعالى بصيرته وأطفأ نوره. فأولئك الذين كانوا يُماحكون في الحقائق التي أخبر بها الوحي الرباني، إنما كان عندهم في الحقيقة من العقل ما تقوم به الحجة عليهم، ولكن مع ذلك أطفؤوا جذوة العقل بسبب الإذعان للهوى، الهوى طغى على عقولهم وصاروا لا يُبصرون الحقيقة.
وقد أقام الله تعالى عليهم الحجة، كأولئك الذين جحدوا إمكان البعث، الله تعالى كم أقام عليهم الحجة من خلال العقول نفسها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 77-83].
والله تعالى يقول فيهم: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 49-51]، فإذًا هذه عقول ولكنها طُمِسَت.
كذلك عقول هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله سبحانه وتعالى ويدَّعون أن الكون ما هو إلا طبيعة، والطبيعة ميتة، لا حركةَ لها، لا تسمع، لا تعقل، لا تبصر، لا تحس، فكيف لهذه الطبيعة الميتة أن تخلق أحياء؟ ثم هذا الترتيب العجيب...