⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
بمناسبة تضمَّخ الكون أرجاءه بعبق هذه الذكرى الطيبة، ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتقدم بالتهنئة إلى جميع المؤمنين والمؤمنات في أرجاء الأرض، راجيًا من الله سبحانه وتعالى أن يجعل مرور هذه الذكرى مرورًا يجدد في نفوسنا الهمة والنشاط من أجل مواصلة سير النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة، الذي كان تجديدًا لعهد الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا حتى تسير الدنيا وفق نظام الله سبحانه وتعالى الذي اختاره ليكون صلة بينه وبين عباده.
ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من رسل الله تعالى المصطفين الأخيار، كان اختيارهم اصطفاءً من الله، وقد أنبأ الله سبحانه وتعالى أن الله تعالى يحكم ما يشاء ويختار، وبيَّن لنا سبحانه وتعالى سنته في إرسال رسله عندما قال عز من قائل: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]، معنى ذلك أن هذا اصطفاء. وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. فالله تعالى هو العليم بطبائع عباده، وبما تنطوي عليه فطرهم، وبما هم مؤهَّلون له.
ولا ريب أننا لو رجعنا إلى الوضع الإسرائيلي في ذلك الوقت لوجدنا أن بني إسرائيل بعدوا عن نهج النبوة قرونًا وقرونًا، بل كان منهم من أول الأمر اللدد والخصومة لأنبيائه؛ فموسى عليه السلام مع ما أكرمهم الله سبحانه وتعالى به على يده، وكان إنقاذهم من الهلكة بسببه، إذ جاءهم الله سبحانه وتعالى به من فرعون وآله وبطشهم الشديد الذي كانوا يعانون قساوته ويتجرَّعون صَصَه ويكابدون مشقته، إلا أنهم مع هذا كله كانوا متنكرين لموسى عليه السلام ولتلك النعمة العظيمة التي أنعمها الله سبحانه وتعالى عليهم على يديه؛ إذ ما كادوا يجاوزون البحر وتجف أقدامهم من ثراه حتى قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] عندما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، وهذا تنكُّر عظيم.
ثم كانت منهم عبادة العجل، وكان منهم ما كان من قولهم لموسى عليه السلام: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]، وكانوا متعنتين في كل موقف من المواقف حتى إنهم لقوا من الجزاء المناسب لأعمالهم أنَّهم ظلوا في التيه أربعين عامًا، ثم نشأ بعد ذلك جيل جديد، جيل متهيئ لحمل الأمانة والقيام بواجبها، فشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون الاستخلاف لذلك الجيل، ولكن ما لبثوا أن غيَّروا وبدلوا، واستبدلوا بهدى الله سبحانه وتعالى الضلالات الوثنية، فسرت هذه الضلالات في حياتهم، وحرفوا الكتاب، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلم يكونوا بسبب هذا أهلًا لحمل هذه الرسالة.
ولا ريب أن العرب مع ما كانوا عليه من وثنية ضاربة بجذورها في حياتهم الفكرية والعملية، ومع ما كانوا عليه في الضلالة، إلا أنهم كانوا لا يزالون قريبين إلى الفطرة، فلذلك اختارهم الله سبحانه وتعالى لأن يكون مصطفاه منهم ومن بينهم، فكانت هذه الدعوة، وكانت هذه الرسالة، وكانت هذه النعمة.
وقد امتنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله سبحانه وتعالى من أنفسهم، أي من بيتٍ بين هؤلاء العرب، يدعوهم إلى الحق، وإلى الإيمان، وإلى ترك ما هم عليه من الضلالة، وإلى الاستمساك بالعروة الوثقى، وإلى الاجتماع بعد الشتات، وإلى التواد بعد البغضاء، وإلى القضاء على أسباب العداوات التي كانت مستحكِّة في نفوسهم، فتحول التاريخ إلى وضع آخر، وتكوَّنت من هذه الأمة الأمية أمة هي خير أمة، هي خير أمة أخرجت للناس، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].