⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإسلام الحنيف فطرة في نفوس الناس، إذ كل مولود يولد على هذه الفطرة، وإنما ينحرف بانحراف من حوله عنها.
ولذلك كانت التربية التي تتعلق بهذا الجانب هي مطلبا فطريا، والاستجابة لهذا الطلب إنما هي استجابة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30].
والإنسان بما أنه خلقه الله سبحانه وتعالى، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وإليه منقلبه كما أن منه مبتدأه، فإن هذا الإنسان لا بد من أن يكون موصولا بالله سبحانه وتعالى، من خلال عقيدة راسخة في النفس تجعله يذعن لله تعالى وينقاد لأمره، ولا يتعدى حدوده، ويحرص على التقرب إليه بشتى القرب.
هذه العقيدة لا بد أن ترسخ وتدعم بالأدلة العقلية والنقلية، وتنشأ عليها الناشئة من أول الأمر. ثم مع هذا كل إنسان مطالب بعبادة الله تعالى، وهذه العبادة هي تجسيد للعقيدة، وقد بيّن سبحانه وتعالى الغاية من خلق الناس كما أنها الغاية من خلق الجن إذ قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 57-58].
فالله الذي خلق الناس لم يخلقهم هملا، ولم يتركهم سدى، إنما خلقهم لأجل أن يعبدوه، ويتصلوا به آناء الليل وآناء النهار، ويطيعوه في كل أمر، فإن الأرض التي جعلها الله تعالى قرارا لهم هي جزء من مملكة الله تعالى الواسعة، وهذا الجزء لا يسعد ولا يهنأ ولا يستقر إلا بانسجام مع سائر مملكة الله، وذلك بالانقياد المطلق لأمر الله.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18]، وقال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
ولذلك كان من الضرورة بمكان أن يتفقه كل مسلم في دين الله، وأن تُنشَّأ الناشئة على ذلك، بجانب ترسيخ العقيدة في نفوس الناس جميعا، ومن هنا يأتي هذا التوجيه السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان حفظه الله تعالى ورعاه، يأتي تجاوبا مع الفطرة البشرية، ووضعا للأمور في مواضعها.
ومن هنا نناشد المسؤولين عن هذا الجانب جميعا بأن يضعوا هذا الأمر في موضعه، وأن يحرصوا على أن تكون التربية كما هي؛ فإن التربية في الحقيقة هي بمعنى الإصلاح، وبمعنى التنمية، يقال: ربّى يربّي بمعنى نمّى وأصلح، وهي كلمة مأخوذة من «رَبَا يَرْبُو»، وكذلك يقال: «رَبَّ يَرُبُّ»، ويقال: «رَبَّى يُرَبِّي»، وكل من ذلك يؤدي هذا المعنى.
فإذن هذه التربية لا بد من أن تكون كما هي تربية بالمعنى الصحيح، وذلك بأن تُعنى بالدين، وأن تُعنى بالأخلاق، وأن تُعنى بالقيم، وأن تُعنى بتوجيه الإنسان إلى ربه تعالى توجيها سليما، بحيث يكون أداة طيعة لأمر الله، ويكون في المجتمع هو لبنة صالحة، ويكون في جسم الأمة جميعا أيضا عضوا صالحا، ويكون في المجتمع البشري شِرْيَانًا بأسره له ميزته وله مكانته، لأن المسلم يجب أن يكون مؤثرا على المجتمع البشري بفكره النيِّر، وبإخلاص قيمه، وبحسن صلته بالله سبحانه وتعالى.