⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى شرع لعباده الإسلام ديناً، وجعله مناط ارتباطهم ومعقد تفاهمهم.
هذا الإسلام الحنيف يحمل في طياته كل خير لهذه الإنسانية، لأنه أولاً يصل هذا المخلوق الضعيف بالخالق القوي القاهر الذي بيده ملكوت كل شيء، فيقوى هذا المخلوق من ضعف من خلال هذه الصلة بالإله العظيم الذي وسع كل شيء قدرة وأحاط بكل شيء علماً.
ومن ناحية أخرى فإن هذا الإسلام يصل هذه النفوس بعضها ببعض، ويردم ما عسى أن يكون بينها من الهوة التي تفصل بعضها عن بعض، حتى تترابط وتتاخى في ذات الله سبحانه، ويكون مثلها مثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
ونحن إذا نظرنا إلى أركان الإسلام العظيمة التي يُشاد عليها بنيانه، والتي تتجلى من خلالها حقيقة هذا الإسلام، من خلال أي ركن من هذه الأركان، نجد أنه يؤدي إلى قوة هذه الصلة بين عباد الله تعالى المؤمنين، بجانب كون كل ركن من هذه الأركان يؤدي إلى تقوية صلة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
فلا ريب أن الصلاة جامعة، وهي مظهر لتلاقي الناس وترابطهم وانتظامهم عندما ينتظمون في حركاتهم وراء الإمام ركوعاً وسجوداً وقياماً وقعوداً.
وكذلك بالنسبة إلى الزكاة، هي أيضاً تؤلِّف بين القلوب بما جعل الله سبحانه وتعالى فيها من قضاء حاجات الفقراء مما آتى الأغنياء من الثروات.
وكذلك بالنسبة إلى الصيام، هو سبب من الأسباب التي تؤدي بطبيعة الحال إلى انتظام النفوس وترابط بعضها مع بعض، بسبب أنه يؤدي إلى أن تتبخر هذه النَّعَرات التي في الناس، وتتبدد الشهوات، ويستعلي الإنسان عليها، ويقوى ضميره وتقوى إرادته عليها.
والحج كذلك هو ركن عظيم من أركان الإسلام يجمع شتيت عباد الله المؤمنين، بحيث تتوافد وفود الرحمن من شتى بقاع الأرض، من كل سَقْع من الأصقاع، بحيث لا يبقى فَجٌّ عميق إلا ويأتي منه من يأتي من هذه الوفود، لتلتقي جميعاً في ظلال العبودية لله وفي رحاب الله حول بيته المحرم الذي جعله الله سبحانه وتعالى مهوى أفئدة المؤمنين، وجعله عز وجل معقد ارتباطهم، يتوجهون إليه بوجوههم بحيث يولون هذه الوجوه شطره في صلواتهم، ويطوفون حوله عندما يفدون إلى الله في تلك الرحاب الطاهرة.
ولا ريب أن في هذا ما يشد هؤلاء المؤمنين الوافدين إلى الله بعضهم إلى بعض، بجانب كون الحج يخلِّص هذه النفوس من علائقها الدنيوية، لأن الحاج يتجرد بمجرد خروجه من بيته كأنما هو مقبل على الدار الآخرة، وقد ترك الدنيا وهمومها وأوزارها وراء ظهره، وهو يقبل على الله سبحانه وتعالى الذي ينقلب إليه، ويمثل يوم القيامة بين يديه ليحاسبه على القليل والكثير مما قدَّم وأخَّر.
فلا ريب أنه من خلال ذلك يحرص على أن يقلب حياته من وضع إلى وضع آخر، حتى يظهر بصفحة جديدة ينشرها بعد طي الصفحة القديمة، وذلك بأن يستبدل بكل معصية طاعة، وبكل ضلالة هدى، وبكل غيٍّ رشداً، وبكل تكبر تواضعاً، وبكل أنَفَة واستبداد أنساً ووئاماً مع بني جنسه.
فهذا من أثر الحج، والتقاء الناس في تلك الأرجاء الطاهرة يجدد في نفوسهم شجوناً، ويفتح من مكنون نفوسهم شؤوناً، ذلك لأن هذا اللقاء بطبيعة الحال يؤدي إلى أن يتذكر الإنسان الكثير الكثير مما سبق، يؤدي إلى أن يذكر الإنسان عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهما يشيدان قواعد البيت، ويرددان دعاءهما المعروف: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، بحيث كانا ينظران إلى الأمد البعيد عندما يبعث الله سبحانه وتعالى النبي الخاتم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام بالرسالة الخاتمة، ليتجدد هذا الدين، وليتلقف هذا الخير، ويجتمع شتات الإنسانية في ظل لواء الوحدة الربانية التي تشد البشر بعضهم إلى بعض.
وكذلك تمر بالنفس ذكريات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وهو ينادي بدعوة الحق، التي يتجلجل صوتها في هذا الفضاء، أو في هذا الأثير، لينتقل إلى آفاق الأرض، ويستهوي الناس لأن يستجيبوا لدعوة الله سبحانه وتعالى، مع ما كان من محاولة لإخفاء هذا الصوت وقطعه، ولكن ظل الصوت بعون الله سبحانه وتعالى مجلجلاً هادراً، إلى أن استجاب من استجاب لدعوة الله، وبدأ الناس هناك يدخلون في دين الله، وهم يضحون بكل غالٍ وثمين من أجل هذا الدين الذي انقلبوا إليه؛ فهم ما كانوا يفكرون في مال، ولا كانوا يفكرون في وطن، ولا كانوا يفكرون في ولد ولا في أهل بجانب اهتمامهم بهذا الدين، فضحوا بكل ذلك في سبيل العقيدة وفي سبيل نشر هذا الحق، لينتشر في آفاق الأرض حتى وصلتنا هذه الدعوة بعون الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة كان يصنع بكلمة الحق من رحاب بيت الله تعالى، بحيث كان ينذر الأقربين وينذر الأبعدين أيضاً، حتى استجاب الناس لداعي الحق، ومن خلال أداء هذه الشعيرة المقدسة تتجدد أيضاً ذكريات وذكريات تجعل الإنسان يفيض اعتباراً، ويفيض استبصاراً.
نعم، فكم من موقف يقفه الحاج يؤدي إلى تذكر هذا كله، كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، بحيث يذكر كيف كانت رعاية الله سبحانه وتعالى لمن أسكنهم إبراهيم عليه السلام هناك من ذريته ومن أهله، وكيف كانت هذه الرعاية تشمل أولئك في موقف حَرِج، وفي وضع صعب، ولكن الله تعالى على كل شيء قدير.
وكذلك المحنة التي لقيها إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، ما يتعلق بالرؤيا التي رآها إبراهيم؛ كل ذلك مما يتجدد في كل موقف يقفه الإنسان هناك.
لذلك كان على الحاج أن يحرص على أن يستمل هذه العِبَر، ويستشف هذه الحقائق، ويتعمق في إدراك مضامين أسرار التشريع، تشريع هذه العبادة التي جعلها الله تعالى ركناً من أركان الإسلام، لما فيها من شد الأواصر بعضها إلى بعض، ولما فيها من تجديد الإيمان في النفوس، ولما فيها أيضاً من الربط ما بين هذه القلوب المؤمنة، وهي المنافع التي يشهدها الحجاج عندما يفيدون إلى الله سبحانه وتعالى من أقطار الأرض إلى تلك الديار المقدسة، والله تعالى المستعان.