⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الانجرار وراء العاطفة وتحنيط العقل وتركه في جانب، والإعراض عن النص وعدم الاستهداء بهداه، إنما هو من شأن الذين لا يحرصون على بلوغ الحقيقة ولا على فهم الحق.
إن الحق لا يدرك بالعواطف، الحق يدرك بأدلته، والله سبحانه وتعالى عندما خاطب المؤمنين لم يكن خطابه خطاب تأجيج العواطف فحسب، وإنما كان خطابه خطاب إقناع.
عندما جاء البيان القرآني موضحًا أعظم حقيقة تنبني عليها الاستقامة على الرشد والسير في منهاج الحق، وهي توحيد الله، أي الاعتراف بوحدانيته سبحانه، عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]، أتبع ذلك الأدلة الكثيرة التي هي منبثة في هذا الوجود، ومشرقة من خلال كل حركة من حركات هذا الكون.
فالله سبحانه وتعالى أتبع ذلك قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، نعم ﴿إِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
هذه الآيات تتراءى لمن استعمل عقله في الوصول إلى الحقائق وفي إدراك الحق، هذه الآيات تبصر أن هذا الكون إنما هو، وإن كان حسب طبيعة المكونات التي فيه إنما هو متناثر، ولكنه مع ذلك تجمعه وحدة واحدة، فنظام واحد يؤلف ما بين هذه المكونات جميعًا، فما من شيء في هذا الوجود على اختلاف أجناس الموجودات إلا وهو ينتظم في سلك هذا النظام الموحد الجامع الشامل.
فالكون بأسره مع ترامِي أطرافه وحدة متكاملة، ولا يمكن أن يكون هذا الكون الموحد في نظامه صادرًا عن أكثر من مكون واحد، لأنه لو كان ثمَّ أكثر من مكون لكانت لكل واحد منهما إرادة مستقلة عن إرادة الآخر، وذلك مما يؤدي إلى الاختلاف والتنازع في المراد، ويؤدي إلى الفساد في الكون، وهذا الذي دل عليه القرآن، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].
فإذا على الإنسان أن يستخدم هذا العقل في إدراك هذه الحقائق، مع الرجوع إلى النص الشرعي؛ لأن لا شَاذَّ بين العقل والنص، فكل واحد منهما مكمل للآخر؛ إذ الخطاب الذي يكون لغير العقلاء مهما كانت أدلته إنما يكون جِعَارًا ينعق ما بين الحيوانات العجم التي لا تفهم شيئًا ولا تدرك حقيقة.
وكذلك عندما يكون العقل وحده أيضًا يتخبط في البحث عن الحقيقة من غير أن يسوسه شرع، ومن غير أن يدبره شرع، لا ريب أنه يظل في تخبطه من غير أن يصل إلى الحقيقة، فلذلك لا بد من الجمع بين العقل والشرع.
أما العاطفة فإنها لا تكاد تثور حتى تغور، ولا تكاد تبدو حتى تختفي، هذه العاطفة لا تكون بحال من الأحوال حكمًا في أمر الله سبحانه وتعالى، ليست سبيلًا إلى إدراك الحقائق، وليست أيضًا حكمًا في شرع الله سبحانه وتعالى، إنما هذه العاطفة يجب أن تُترك جانبًا، لأن العواطف عندما تتأجج كثيرًا ما تحجب الحقيقة عن أصحابها، فلذلك كان على الناس ألا يتأثروا بالعواطف، وإنما عليهم أن يبحثوا عن الحق ببرهانه الواضح، وبأدلته البينة، ببراهين العقل وبدلائل النص.
والله تعالى أعلم.