⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن هذا المصطلح لا شك هو مصطلح حادث، إلا أن ما يدل عليه هذا المصطلح، والمعاني التي أريد أن يشتمل عليها هي معانٍ أصيلة في هذا الشرع الحنيف.
ذلك أن ما يتصل بالمسلم أخذًا أو عطيّة، بائعًا أو مشتريًا، لا ريب أنه من الموضوعات التي تناولتها الأدلة الشرعية تناولًا دقيقًا، سواء كان ذلك من خلال القواعد العامة والأطر والمبادئ التي يستند إليها فيما نعرفه نحن اليوم بفقه الاقتصاد أو بفقه المال، أو من خلال الأدلة التفصيلية الواردة في جملة من المعاملات المالية.
وقضية حماية المستهلك في حقيقتها ترجع إلى أصول هذه الشريعة، من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن الأدلة التبعية الواردة فيما يتصل بمفردات حماية المستهلك.
فهي مندمجة لا شك مع مقاصد الشريعة ومع روح هذا التشريع.
أما اشتمال القرآن العظيم على ما يتصل بالمستهلك وحمايته فإنه إنما ينطلق من مبدأ العبودية لله تبارك وتعالى، لأن الإنسان إنما خُلق لهذه الغاية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
ولذلك فإن مظاهر العبودية تسري في كل جوانب تعاملات هذا الإنسان، ولهذا لا شك أثر بالغ فيما يتصل بموضوع الاستهلاك، أو ثقافة الاستهلاك كما سميتها، وأثر ذلك من حيث تجلّي معنى العبودية في نفس نظرة الإنسان لما يقتنيه وما يتملكه.
فإن المسلم حينما يتملك أو يقتني سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات فإنه لا يقصد مجرد إشباع الجانب المادي فقط، وإنما يعتبر هذه المقتنيات وما بسط الله تعالى له في هذه الأرض من رزق، وما يتملكه، إنما يعتبره من الوسائل التي تعينه على عبادة الله عز وجل، العبادة بمفهومها الواسع من عمارة هذه الأرض، وأداء الواجبات عليه، والقيام بالحقوق، وجلب المنافع له ولغيره، ودفع المضار عنه وعن غيره.
إذا معنى العبودية يتحقق حتى في نظرته إلى ما يقتنيه وما يتملكه، ولهذا أثر بالغ لاحقًا يتجلى لاحقًا فيما نعرفه اليوم بحماية المستهلك.
فالجانب الأول هو نظرة، أو تقرير الإسلام لمعنى التملك والاقتناء، وكيف أن معنى العبودية لله عز وجل واضح جلي في هذا المعنى، وهو بذلك يفارق أيضًا جملة من الأنظمة الوضعية ومن الأفكار المطروحة في هذا السياق التي تعتبر أن الاستهلاك هو الاقتناء لأجل إشباع رغبة مادية.
أما المسلم فإنه يقصد من وراء ذلك التعبد بمفهوم العبادة الواسع الحقيقي الصحيح، الذي يشمل –كما قلنا– عمارة الأرض ونشر الصلاح فيها ودفع الفساد عنها للفرد وللجماعة والمجتمع وللأُمم والأوطان.
كما أنه أيضًا يشمل إدراك حقيقة أن كل ما في هذه الأرض إنما هو ملك لله تبارك وتعالى، وبالتالي فإن الانحراف عن التصرف السوي في هذا المال بيعًا وشراءً، أخذًا وعطاءً لن يقتصر ضرره على الفرد المنحرف نفسه، بل إن ضرره سوف يكون عامًا.
ولهذا فإن الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم حينما نهى عن أكل المال بالباطل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، فإضافة الأموال إلى الجميع دليل على أن أكل بعضهم أموال بعض هو أكل لأموال أنفسهم.
وهذا يقودنا إلى ملحظ آخر يتصل بموضوع حماية المستهلك، وهو أن هذه الثروة –بكل ما تشتمل عليه من حراك اقتصادي، ومن معاملات مالية بشتى أنواعها– إنما خيرها وشرها يعود على المجتمع بأسره، ولهذا خُطِبنا بهذا الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وهذا يقودنا إلى أيضًا تأكيد حقيقة أُخوَّة المؤمنين فيما بينهم، وهذه الأُخوَّة المنصوص عليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، والمنصوص عليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم»، وأيضًا المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، هذه الأُخوَّة لا شك لها آثارها؛ فالكلُّ مسؤول عن صلاح المجتمع، وعن حفظ أمواله، وعن حركة التنمية الشاملة فيه.
وهذا يؤدي إلى أن يكون نشاط السوق –لأن النشاط الاقتصادي المتصل بالبيع والشراء، وبالتالي تقديم الخدمات والمنافع التي يكون فيها استهلاك، يكون فيها مستهلك، ويكون فيها مقدِّم للبضائع والسلع والخدمات، ومنتج ومصنِّع لها– هذا السوق، لِنُصطَلِحْ على أن نسمِّيه سوقًا، هذه السوق تتصف في الإسلام بما انعكس عليها من آثار الأُخوَّة، ومن النظرة إلى المال الذي استخلف فيه هذا الإنسان، ومن المبادئ الأخلاقية التي تؤطِّر حركة المسلم، ومن معنى العبودية الصحيح لله تبارك وتعالى.
ولذلك فهي سوق نزيهة بعيدة عن تكديس الثروة في أيدي فئة قليلة، والاستبداد بها، والتحكم في البضائع والسلع التي يحتاج إليها عامة الناس: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، وهي أيضًا متصفة بأنها ذات تنمية إنتاجية شاملة تؤدي إلى رفاهية المجتمع، وإلى سعادة الناس، وتلبية متطلباتهم فيها، سواء كانت من الضروريات أو من الحاجيات أو من التحسينيات أو الكماليات كما أشرتم، فضلًا عما يكتنف كلّ ذلك مما أشرتَ إليه من المبادئ الأخلاقية العامة التي تسوس معاملات المسلم مع غيره، وتحكم له بيعه وشراءه وقبضه وأخذه وبسطه، وكل ما يتصل بحركة المال والاقتصاد في هذا الدين الحنيف.
والله أعلم.