⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قلنا بأن موضوع حماية المستهلك له أصول شرعية كثيرة، هذه الأصول الشرعية تنقسم إلى نوعين: فهناك أدلة عامة تمثل المبادئ والقواعد الكلية التي تندرج فيها ما يتصل بجزئيات موضوع حماية المستهلك، نعم، وهناك أحكام شرعية تفصيلية تتناول أطراف التعاقد بيعًا وشراءً، أخذًا وعطاءً، وكل هذه الأحكام والتشريعات إنما تشوّفت حماية هذا المستهلك في إطار من فهم صحيح لمعنى عبودية هذا العبد لله تبارك وتعالى؛ إذ النقطة الأبرز أن معنى العبودية يسري في سائر أعمال هذا الإنسان.
ولذلك فإنه يتجه من فهمه الصحيح لعبادته لله عز وجل ليدرك معنى تملّكه واقتنائه في هذه الحياة؛ فإن الذي يقتنيه ويتملكه إنما يقصد به أولًا إظهار نعمة الله تعالى عليه، ثم هو وسيلة من وسائل العبادة بمفهومها الواسع الشامل، والتي من معانيها عمارة هذه الأرض بما يرضي الله تبارك وتعالى، وجلب المنفعة والمصلحة لنفسه ولغيره، ودفع المضرة عنه وعن غيره، نعم. ولذلك قلنا: إن معنى العبودية ظاهر في معنى استهلاك الإنسان، استهلاك المسلم لما يتملكه، لما يريد أن يتملكه ولما يريد أن يختزنه، نعم.
ثم هو أيضًا فرد في جماعة، وهذه الجماعة وُصفت بأن الرباط الذي يصل بين أفرادها هو رباط أُخوّة إيمانية؛ فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم». والله عز وجل بيّن أن من تمام البر أن يؤدي المسلم الحقوق الواجبة عليه نحو إخوانه المؤمنين، وذلك في آية البر حينما قال، وذكر: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
إذًا فبشعوره أنه ينتمي إلى جماعة موصوفة بأن رباطها هو رباط الأُخوّة، هذا يلزمه بحقوق نحو هذه الجماعة، ويولّد عنده الشعور بالأُلْفة والمحبة، وهذا ما أشار إليه، بل نصّ عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، نعم.
ثم كذلك قلنا: إن من الفهم الصحيح لموضوع ثقافة الاستهلاك أن يعلم أن هذا الدين إنما يدعوه إلى الإنتاج والادخار، وينهاه عن الاستهلاك إلا في حدود ما أباح الله عز وجل له، سواء كان ذلك من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات والكماليات التي نجدها في الشرع تحت اسم الطيبات، بدليل قول الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، نعم، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
هذا الفهم هو الذي يمثّل وقاية للفرد من نفسه حينما يتصل الأمر بالاستهلاك والاقتناء والتملك؛ ولذلك فإن عليه أن ينفق قصدًا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾، وعليه أن يكون بعيدًا عن التبذير، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
وعليه أن يعلم أن في هذا المال حقوقًا للآخرين عليه، وعليه أيضًا أن يعي أنه بتملّكه واقتنائه إنما يقتني ويتملك وسائل هي ليست غايات في ذاتها، يحقق بها رغبات مادية، وإنما يلبي رغبات روحية وإيمانية؛ لأنه يوقن أن هذه لا تعلو أن تكون وسائل تقرّبه إلى رضا الله تبارك وتعالى.
هذا ما يتصل بفهم هذا الموضوع مما يخص طرف المستهلك الفرد.