⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن قضية الدعوة إلى الإسلام هي قضية هدم وبناء؛ هدم لعقيدة الكفر، وبناء لعقيدة الإسلام.
وهذا يعني أن يتبع الأسلوب القرآني في إقناع أولئك الذين انحرفت بهم عقولهم حتى وصل بها الأفن إلى اعتقاد آلهة مع الله سبحانه وتعالى، أو اعتقاد آلهة من دون الله يصرفون هذا الكون ويستحقون منهم العبادة والخضوع والانقياد.
فنحن نرى في كتاب الله سبحانه كيف تكون مجادلة الذين كفروا، فإن الله سبحانه وتعالى خاطب هؤلاء الكفرة، وأمر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يخاطبهم بما فيه إقناع للعقول، ذلك لأن عقيدة الإسلام إنما تنبني على العقل السليم الذي يفكر بأمانة، والذي يصل بنور الله سبحانه وتعالى إلى الحقائق فتُصبح واضحة بعد غموضها.
فالله سبحانه وتعالى نصب المعالم الدالة على وحدانيته في هذا الكون، بل كل ما في الكون إنما يدل على وحدانية الله تعالى، حتى إن من علمائنا، وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان –أي– قال: إن كل ذرة من ذرات الوجود هي كلمة من كلمات الله، دالة على وجوده وتوحيده، وما بقي فهو كشرح لتلك الكلمة، فكل ما في الكون هو دال على وجود الله، ودال على وحدانية الله سبحانه.
ونحن نرى كيف خاطب القرآن الكريم العقول من أجل أن يلفت انتباهها إلى هذه الحقيقة، ومن أجل أن يجرها من الانحراف إلى الطريق الصحيح؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].
في هذه الآية الكريمة هدم وبناء؛ هدم لعقيدة الكفر، هدم لعقيدة الشرك بالله سبحانه وتعالى، وبناء لعقيدة الإيمان والإسلام، بناء لعقيدة الوحدانية، بحيث يعتقد الإنسان أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يصرف هذا الكون جميعًا، وهو بيده ملكوت كل شيء.
وهذا واضح في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَتَّبِعُ الظَّالِمُونَ أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4]. يعني الآية الكريمة واضحة في أن الإنسان عليه أن ينظر في مَن يُدعى من دون الله: هل هذا الذي يُدعى من دون الله خلق شيئًا من هذا الكون، خلق شيئًا من الأرض، أو خلق شيئًا من السماوات، أم له شركة في السماوات؟ بل إن يتبع الظالمون أهواءهم بغير علم، إلا غرورًا.
فعلى أي حال، يعني: الله سبحانه وتعالى وحده هو المكوِّن. وكما يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: 41]، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده.
فالإنسان عليه أن يتبع هذا الأسلوب في الدعوة، عليه أن يتبع أسلوب نقض معتقدات الشرك والكفر، وإقامة معتقدات الإسلام من خلال الآيات الكونية التي تدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى.
وكم من آية في القرآن الكريم جاءت بهذا؛ الله تعالى يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38].
فهذا الأسلوب هو الذي يجب أن يُتَّبع، ولا ريب أن هذا الأسلوب ليس هو متعلِّقًا بجانب الإيمان بالله فحسب، بل أيضًا هو متعلق بجانب الإيمان باليوم الآخر؛ فإن الله سبحانه وتعالى عندما أقام على عباده الحجة بوجود اليوم الآخر بيَّن لهم آياته الدالة على ذلك، فكم من آية فيها محاورة المشركين الذين كانوا ينفون اليوم الآخر، ويعدُّون من المستحيل أن تكون هذه الأجزاء المتناثرة من الإنسان بعد تمزُّع أشلائه وتفرُّقها، وتحول الخلايا إلى ذرات ترابية، من المستحيل عندهم أن تعود الحياة إلى هذا الإنسان ويجتمع هذا الشتات بعد هذا التفرُّق.
فالله تعالى أقام عليهم الحجة في كتابه، فكم من آية في كتاب الله تعالى دالة على هذا؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 5-7].
فالذي خلق الإنسان من التراب، وأنشأ النشأة الأولى، وحوَّله من طور إلى طور، فكان في أحد الأطوار نطفة مهينة، هذه النطفة كما يُعبَّر عنها بلغة العصر خلية لا تكاد تُرى بحقارتها حتى بأشعة المجهر، ثم وقع اللقاح بينها وبين البيضة، فتطورت طورًا بعد طور، وخرج منها هذا الإنسان السوي العاقل المفكر القادر على أن يصرِّف نفسه بمشيئة الله سبحانه في حدود ما وهبه الله تعالى من طاقات وقوة عقلية وجسدية؛ أولا يكون الذي خلقه من أول الأمر هذه الخلقة قادرًا على أن يعيده بعد أن يموت، وبعد أن تتمزق أشلاؤه، وبعد أن تتناثر أجزاؤه، وبعد أن تتفرق خلاياه وتتحول إلى ذرات ترابية، ألا يكون قادرًا على أن يعيده كما كان أول مرة، وأن يؤيد إليه الحياة؟ بلى، إنه قادر، وهو الذي يحيي الأرض بعد موتها، يُنزِل عليها الغيث فترْبو وتُنبِت من كل زوج بهيج.
كذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 77-83].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 49-51].
فالله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان بهذه الطريقة العجيبة قادر على أن يعيده...
فإذا أقام الحجة على هذه العقول الزائغة بهذا المنطق السليم، وبهذا الأسلوب الحكيم، وبهذه الطريقة السوية التي تجر الناس إلى التفكير، أولًا يبدأون في الشكوك فيما عندهم من المعتقدات، ثم بعد ذلك تتلاشى تلك المعتقدات الباطلة عندهم، وتأتي هذه المعتقدات الصحيحة لتحل محلها.
وكذلك بالنسبة إلى سائر أركان الإيمان؛ إلى الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله؛ بهذا الأسلوب يتوصل الإنسان إلى إقناع هذه العقول وردِّها إلى الطريق السوي.
ويجب على الإنسان في دعوته للإسلام أن يبدأ بالأول فالأول، وهذا الأسلوب هو المتَّبع عند الرسل جميعًا؛ فإن جميع الرسل إنما كانوا يدعون أول شيء إلى التصور الصحيح، لأن الإنسان إن كان مبتلى بغبش في التصور فلا ريب أن سلوكه الطريق المستقيم من الصعب، بخلاف ما إذا زال هذا الغبش عن عينيه واستطاع أن يُبصر الحقيقة.
فلذلك تقوم دعوات المرسلين جميعًا على بلاغ دعوة التوحيد، على دعوة الناس إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى الإله الواحد؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وهذه الدعوة هي التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ترك أول أمر كل شيء –علمه عليه– حتى إن حول الكعبة المشرَّفة كانت أصنامًا تُعبد من دون الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع في تحطيم تلك الأصنام، أو لم يأمرهم أول الأمر بتحطيم تلك الأصنام، أو يقم بنفسه إلى تحطيمها، بل ترك الأمر، وإنما بيَّن لهم ضلال هذا المعتقد، وضلال هذه الدعوة: كيف يدعون من لا يملك سمعًا ولا بصرًا، ولا يملك موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؟ كيف يُدعى صنم جماد لا حراك له ولا إرادة له، لا سمع له ولا بصر، كيف يُدعى من دون الله سبحانه وتعالى، وكيف يُتضرع إليه، وكيف يُعبد، وكيف يُخشى، وكيف يُرجى، ويُترك الله العليم القدير رب السماوات والأرض الذي تتجلَّى آياته في هذا الوجود بأسره.
فكم من آية جاءت لنقض هذه العقائد الباطلة، وإقرار عقيدة التوحيد. وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة هذا الغبش عن هذه العقول، ودعوة الناس إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك بدأ في قضايا التشريع بعد ما رسخت العقيدة، وأدرك الناس أنهم بحاجة إلى أن يستمدوا من الله تعالى منهج حياتهم كما آمنوا به وبوحدانيته وبقدرته وإحاطته بكل شيء، وأن المبدأ منه والمرجع إليه؛ لما آمنوا بهذا كانوا مستهيئين لأن يتلقوا الشريعة من عنده، فهكذا يجب على الداعية أن يسلك هذا المسلك.
نعم.