⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وأقام لهم شهودًا من أنفسهم، وشهودًا مما حولهم، كلها تدل على وجوده سبحانه وتعالى، وعلى وحدانيته، وعلى عظمته، وعلى كل صفة من صفات ذاته؛ ذلك لأن الإنسان لا يكاد يفتح عينيه على هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف إلا ويرى في كل ذرة من ذراته شاهد عظمة الله، وشاهد وجود الله، وشاهدًا على أن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأن الله سبحانه وتعالى هو وحده المنفرد بخلق هذا الوجود وتصريفه وتدبيره.
والآيات القرآنية التي جاءت متظافرة مع دلالات العقول الشاهدة على هذا المعنى كثيرة لا يمكننا إحصاؤها، فكم من آية اختتمت بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، واختتمت بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وبقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وبقوله: لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، ولقومٍ يعلمون، إلى غيرها، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان مطالب –وهو ينظر إلى كل شيء في هذا الوجود– ألا يقف عند مظهره، بل عليه أن يصل إلى أعماق حقيقته؛ بحيث يرى فيه صنع الله عز وجل، ويرى فيه ما يدله على الله وما يعرفه به، ويرى فيه ما يعرفه بصفات الله سبحانه وتعالى.
ونحن نرى في كتاب الله أن الله عز وجل عندما أقام، عندما عرَّف عباده بنفسه أنه إله واحد، وأنه لا إله غيره، أتبع ذلك ما يدل على هذا المعنى من خلال بيان آيات الله في الكون؛ ليفتح الناس أبصارهم على هذا الوجود حتى يعرفوا من خلاله وحدانية الله.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]، ثم يتبع بعد ذلك سبحانه وتعالى هذا البيان الرباني بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164].
وقد أقام سبحانه وتعالى من خلال ذلك الدلائل الحجة على الذين يدَّعون أن مع الله آلهة أخرى، أو الذين يدعون مع الله آلهة أخرى؛ فالله تعالى يقول: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 59-64].
من خلال هذه الآيات الكونية يقيم الله تعالى الحجة على الذين يجحدون وحدانية الله، ويتخذون مع الله آلهة أخرى؛ ذلك لأن الكون بأسره –كما ذكرت– شاهد على وحدانية الله، فالكون بأسره هو متناسق منسجم بعضه مع بعض، يدل على أن مكوِّنه واحد، ويدل على أن مكوِّنه على كل شيء قدير، ويدل على أن مكوِّنه بكل شيء خبير، ويدل على أن مكوِّنه بكل شيء بصير، ويدل على أن مكوِّنه لا يخرج شيء في هذا الوجود عن تدبيره وتصريفه.
ونجد أن الله تعالى يدعو الناس إلى التفكر في أنفسهم والتفكر في الكائنات الأخرى؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فالإنسان مأمور بأن يفتح بصره على نفسه، ويرى كيف تكوَّن، وكيف هو، وكيف أحواله، مما يدله على وجود الله، وعلى وحدانية الله سبحانه وتعالى، وكذلك مأمور أن يفتح بصره على آفاق هذا الوجود، ليتملاَّه بعين البصير، حتى يقرأ على صفحاته سطور وحدانية الله، وآيات وجوده، ودلائل قدرته وعلمه وإحاطته بكل شيء.
ومن أجل هذا كان أحد علمائنا –وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان– يقول: إن كل ذرة من ذرات الوجود هي كلمة من كلمات الله ناطقة بوحدانيته سبحانه، وما عدا ذلك فهو في الشرح لتلك الكلمة؛ فكل ذرة من ذرات الوجود هي كلمة من كلمات الله تدل على الله، بل حسب الإنسان أن يدرس هذه الذرة وتركيبها العجيب، وإتقانها في ترتيبها، ويدرس ما تحتوي عليه من إلكترونات ونيوترونات وغير ذلك، كل ذلك إنما يدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، ثم حركات هذه الذرات، ثم انسجام بعضها مع بعض، ثم التنسيق فيما بينها في تركيبها حتى يتكوَّن منها مركب واحد أو يتكوَّن منها عنصر واحد؛ كل ذلك مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى أحاط بكل شيء علمًا؛ فما على العبد إلا أن يفتح بصره على هذا الوجود ليرى دلائل وحدانية الله، وليرى دلائل قدرة الله، وليرى دلائل عظمة الله، وليرى دلائل أن الله تعالى محيط بكل شيء.
هل التفكر في عبادة الله، هل التفكر في خلق الله سبحانه وتعالى عبادة كبقية العبادات يطالب بها المسلم ويكون له فيها أجر؟ بل هذه هي أُمُّ العبادات؛ لأنه إن لم يتفكر كانت عباداته ميتة لا أثر لها، لا روح لها، بينما عندما يتفكر وينظر في آيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق لا ريب أن عباداته تكون عبادات حية تتدفق بروح الحياة.
والإنسان بطبيعة الحال مأمور –وهو يتلو كتاب الله تعالى في عبادته لله، في صلواته أو في غير صلواته، في جميع أحواله– عندما يتلو كتاب الله أن يتلوه بتدبر وتأمل، هذا في كتاب الله تعالى الناطق وهو القرآن الكريم، وكذلك عندما يتلو آيات الله تعالى في كتابه الصامت وهو هذا الوجود الشاهد على وجود الله.