⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى آنس البشر بما شرعه لهم من ذكره، فإن ذكر الله سبحانه وتعالى روح الحياة، تحيا الأرواح به كما تحيا الأجساد بالأرواح، والله سبحانه وتعالى من فضله ومنّه على عباده وسّع لهم في ذكره، بل أمرهم بذكره، وبشّر هؤلاء الذاكرين بالبشائر العظيمة.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
ويدعو الله سبحانه وتعالى عباده إلى ذكره في جميع الأحوال، يدعوهم إلى ذكره بالغدو والآصال، ويدعوهم إلى ذكره عند الانفلات من العبادات، فإن العابد لا ينتهي ذكره لله سبحانه وتعالى بانتهاء العبادة التي مارسها، بل ينبغي أن يستديم له ذكر الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]، ويقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]، ويقول: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
معنى هذا أن الإنسان يؤمر أن يستديم ذكر الله، لأن العبادات شُرعت لترسيخ هذا الذكر في النفوس، وهي مشتملة على ذكر الله، الصلاة مشتملة على ذكر الله، والحج مشتمل على ذكر الله، وجميع العبادات هي في الحقيقة تشتمل على ذكر الله، حتى الصيام الذي هو كفّ عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فيه ذكر الله سبحانه وتعالى بما جعل الله تعالى فيه من تذكير العبد بالله سبحانه وتعالى وحقّه على هذا العبد، كذلك إيتاء الزكاة فيه ذكر الله سبحانه.
ولكن مع هذا يؤمر الإنسان بعد أن يؤدي هذه العبادة أن يستمر على ذكر الله، لأن ذكر الله تعالى حياة لهذه القلوب، فهي خربة بدون ذكره، ولذلك يأمر الله سبحانه وتعالى بذكره قبل طلوع الشمس وقبل غروبها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]، ومن آناء الليل فسبّح، هكذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى، ويأمر بتسبيحه أدبار السجود، ويأمر بتسبيحه أدبار النجوم، ويأمر بتسبيحه في جميع الأوقات.
فإذاً الإنسان ينبغي له أن يذكر الله، أمّا التقيّد بعدد معلوم فقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، ومن ذلك أن يسبّح الإنسان ويحمد ويكبّر أدبار الصلوات ثلاثًا وثلاثين: «تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين» ثم لتمام المئة يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، هذا مما ورد فيه ذكر العدد.
كذلك ورد أيضًا ذكر العدد في قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ دائم لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير»؛ ورد أن من قال ذلك مئة مرة كان كمن أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل عليه السلام.
ولكن مع هذا كلّه فإن الإنسان في بقية الأذكار التي لم يُنصّ عليها لا ينبغي أن يلتفت إلى عدد معيّن، وإن تقيد بعدد فلا حرج عليه في ذلك، لأنه لم يأتِ ما يدل على ذلك.
وهذا الذكر باللسان إنما هو وسيلة للذكر بالقلب، إذ أصل الذكر هو بالقلب، فالإنسان مطالب بأن يكون قلبه عامرًا بذكر الله، وذكر الله تبارك وتعالى باللسان مع فراغ القلب من ذكره لا يجدي، فلذلك عليه أن يستحضر ما يقوله باللسان، وأن يجعل هذا الذكر باللسان وسيلة لترسيخ هذا الذكر في القلب حتى يكون القلب عامرًا بذكر الله سبحانه وتعالى.
على أن كل ما فيه ذكر من أسماء الله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك في تسبيح، أو كان ذلك في تحميد، أو كان ذلك في تهليل، أو كان ذلك في تكبير، أو كان ذلك في أيّ تقديس وتعظيم لله سبحانه وتعالى، أو كان ذلك في دعاء وابتهال وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه يعدّ من ذكر الله سبحانه ما دام هذا الذكر فيه تعظيم لجلال الله عز وجل، وفيه مع ذلك ذكر لاسمه أو لصفة من صفاته، يعدّ ذلك من التقرب إلى الله سبحانه.
والدعاء مطلوب من الإنسان حتى يشعر الإنسان دائمًا بأنه بحاجة إلى ربّه تبارك وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ، أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110].
فإذاً الإنسان مطالب بأن يدعو الله، على أن هذا الدعاء في الحقيقة هو مخّ العبادة، ولما كان مخّ العبادة فإنه ليس له أن يشرك مع الله تعالى فيه أحدًا، لا ريب أن هناك من عظّم الله سبحانه وتعالى قدره من عباده وأعلى شأنهم، الرسول صلى الله عليه وسلم في مقدمة أولئك، ثم سائر النبيين، والملائكة المقربون، وعباد الله تعالى الصالحون، ولكن ليس له أن يدعو أحدًا من هؤلاء مع الله، بل عليه أن يكون دعاؤه لله سبحانه وتعالى وحده، فلا يقول: يا الله ويا محمد، أو نحو ذلك، لا، إنما عليه أن يقول: يا الله، أو يأتي بسائر أسماء الله تعالى، كأن يدعو باسم الرحمن، أو يدعو باسم الرحيم، أو يدعو باسم الغفار، أو يدعو باسم الكريم، أو يدعو بأي اسم من أسماء الله تعالى، إلا أن إشراك غير الله تعالى في الدعاء لا يجوز.
وكيف يشرك الإنسان أحدًا مع الله سبحانه وتعالى في دعائه مع أن كل أحد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملك ذلك لغيره؟ النبي صلى الله عليه وسلم مع علوّ قدره وعظم شأنه، وسموّ مرتبته، وما آتاه الله سبحانه وتعالى من تكريم، وما بوّأه إياه من منصب الرسالة العظمى التي جاءت مهيمنة على سائر الرسالات، ومع كون الله سبحانه وتعالى أعلن عن عظم قدره وجلال شأنه عندما يُقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] لا يجوز أن يُدعى مع الله سبحانه، بل هو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملك ذلك لأحد من خلق الله، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف: 188].
هكذا شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو نذير وهو بشير، وهو رحمة الله تعالى المهداة إلى العالمين، وفي اتباعه الخير العظيم، ولكن هذا لا يعني أن يُدعى من دون الله، أو أن يُدعى مع الله، لا يُشرك مع الله تعالى، ولا يملك من تصريف هذا الكون وتدبير هذا الوجود شيئًا، بل الوجود كله إنما يتحرك وفق إرادة الله، على وفق مشيئته، فما على هذا العبد إلا أن يكون منقادًا لربّه، مذعنًا لطاعته، خائفًا منه، راجيًا من فضله، وهو تعالى حسب كل أحد، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، حسبك الله، أي وحسب من اتبعك من المؤمنين، فإن الحسبية لا يُشرك فيها أحد مع الله سبحانه وتعالى، فهو حسب، وحسب من اتبعه من المؤمنين.