⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فيما يتعلق بأن الضراعة إلى الله عز وجل واللجوء إليه –لجوء إيقان وتبتل وخشوع وتذلل– إنه مظنّة لرفع كل بلاء، فهذا لا خلاف عليه –نعم– وهذا مما لا ينبغي أن يرتاب فيه مسلم –جميل– فإن عقيدته تدفعه إلى ذلك؛ فإن الله عز وجل هو مسبب الأسباب، هو الذي ينزل الداء، وهو وحده جل وعلا الذي يرفعه، وعلى العبد أن يكون حريصا على اللجوء إلى من بيده كل شيء، وأن يأخذ بالأسباب التي تجعله مظنّة لإجابة الدعاء، فردا وجماعة وأمة –نعم–.
لكن أن يُحصر ذلك في أماكن دون فقه، فهذا غير صحيح؛ فلو أعملنا نحن فقط قياساتنا: نعم، كيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم –على بعد مرمى حجر في أيام التشريق من الكعبة المشرفة– ولكنه لا يصلي إلا في وادي منى –نعم– لو كان الأمر قياسا، لكان القياس مُفضيا إلى أن يقال بأن صلاة بمائة ألف صلاة خير من أن يصليها في موضع آخر –نعم–، ولذلك قال أهل العلم بأن الصلاة أيام التشريق في منى خير من المسجد الحرام –نعم–.
كيف يصلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأعياد –عليه السلام– التي هي شعار المسلمين، وتأتي عقب عبادات جليلة أو في مواسم العبادات العظيمة الجليلة –صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى– يصليها في الجبان والمصليات، ولا يصليها حينما يكون في موسم الحج في المسجد الحرام، وإنما صلاها… لم يصلها لأنه كان حاجا، وحينما يكون في المدينة المنورة فإنه لم يصلها في مسجده الشريف، وإنما يصليها في المصليات والجبان؛ فليس الأمر منوطا بهذه القياسات.
هذا دين، ودين الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله علينا، وهو الذي علّمنا إياه في كتابه سبحانه وتعالى، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم –نعم–.
الآن لنأتِ إلى ما في كتاب الله تعالى؛ فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ».
حينما تعتري الناس أحوال أيسر من هذه –من الطواعين والأوبئة– من نحو شدة مطر أو شديد ريح –وذكر الفقهاء قياسا على ذلك العواصف والثلوج– فإنه عليه الصلاة والسلام يأمر المؤذن أن يقول: "ألا صلوا في الرحال"، أو: "صلوا في رحالكم"، "صلوا في بيوتكم"؛ هو عليه الصلاة والسلام يأمر من لم يَأْتِ إلى المسجد أن يُنادى له بهذا النداء هو بنفسه، لم يقل: هؤلاء لا، سنذهب رغم ذلك إلى المسجد لأنه أقرب إلى أن ترتفع عنا هذه الأحوال؛ هل حصل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحبه الكرام؟
وحينما بين أن من أسباب التخلف عن الجماعة الخوف والمرض –نعم– من الذي قال ذلك؟ إنما قاله من هو مُسدَّد بالوحي، من لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلا مكان يمكن أن يُحصر فيه الذكر والدعاء والتوجه إلى الله عز وجل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أيضا –عليه الصلاة–: "جعلت لي الأرض مسجدا"؛ فهناك أحوال خاصة وظروف معينة لا بد أن يأخذ فيها المسلمون بما هو واسع لهم في دينهم؛ فالعبرة بصدق توجه القلوب –نعم– وبتخلص هذه النفوس من أدوائها وعيوبها، على مستوى الفرد والمجتمع، من إقامة شعائر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من مراجعة النفس ومحاسبتها، مع الأخذ بالأسباب الوقائية، والأسباب العلاجية التي تقي من انتشار هذه الأوبئة.
فحينما نتجه مثل هذه الوجهة فإننا نكون قد أخذنا بطرف الحبل، وطرفه الآخر بيد ربنا تبارك وتعالى الذي يتكفل لنا بالنتائج –نعم–، لكن حينئذ لن نكون قد تسببنا في الإضرار بأخ أو قريب أو جار؛ لأننا لم نفهم ديننا، ولم نفقه سعة شريعتنا –نعم–، لم نتسبب في انتشار هذه العدوى، وجثوم هذا الوباء علينا مدة تضيق معها صدورنا؛ لأننا نكون حينئذ قد أخذنا بالأسباب.
لكن الذي يحصل –للأسف الشديد– أن الناس إما لضعف فقه، وإما لأغراض أخرى –نعم–، فإنهم لأغراض دنيوية ومصالح في نفوسهم، فإنك تجد أنهم يخطئون الاتجاه.
لا جدال في ما يجده المسلمون الصادقون الأصفياء من أشواق عظيمة للعودة إلى بيوت الله عز وجل –نعم–، وهذا في حد ذاته مما يؤجر عليه المسلم ويثاب؛ "نية المؤمن خير من عمله" –نعم–، وهو بنيته هذه حينما يكون مخلصا لربه تبارك وتعالى؛ لأدلة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –عليه الصلاة والسلام– ينال ثواب ذلك العمل الذي فاته –…–.
أما حينما يكون ذلك –كما قلت– غير مستند، أي أن هذه الأشواق وهذه المشاعر لا تستند إلى فقه صحيح، فإنها حينئذ يمكن أن تقود المسلم إلى الوقوع في الخطأ.
وهذا ما نفهمه أيضا حينما يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أي لأصابكم العنت: المشقة والحرج والضيق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حينما قال: إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، فلما أجاب… سأله أحدهم قال: أفي كل عام يا رسول الله؟ تَمعَّر وجهه عليه الصلاة والسلام وغضب، قال: «لو قلت نعم لوجب عليكم، فما استطعتم»؛ فهذا هو هدي هذا الدين، هدي قاصد راشد معتدل، ينبغي لنا أن نفقهه وأن نفهمه.
فعدم تمكننا من الوصول إلى بيوت الله عز وجل لا ينفي أننا سنظل داعين، متبتلين، متوجهين إلى الله تبارك وتعالى غدوة وعشيا، سائلين له أن ييسر أحوالنا، وأن يرفع عنا الضرّاء، وأن يزيل هذا البلاء عن البلاد والعباد؛ حيثما كنا، وفي كل وقت، سنُلح على الله تبارك وتعالى، وسنأخذ بهذه الأسباب –نعم–، وسنحمل أنفسنا على سعة شريعتنا وعلى ما فيها من قصد واعتدال.
والله المستعان.