مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إغلاق المساجد زمن الوباء

هل التصور بأن فتح المساجد وكثرة التضرع فيها هو السبب الرئيس لرفع الوباء، وبالتالي الاعتراض على إغلاقها أو تقييد الوصول إليها، تصور صحيح شرعًا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما أن يكون فيما يتعلق بأن الضراعة إلى الله عز وجل واللجوء إليه لجوءَ إيقانٍ وتبتلٍ وخشوعٍ وتذللٍ أنه مظنة لرفع كل بلاء، فهذا لا خلاف عليه، وهذا مما لا ينبغي أن يرتاب فيه مسلم؛ فإن عقيدته تدفعه إلى ذلك؛ فإن الله عز وجل هو مسبب الأسباب، هو الذي يُنزل الداء وهو وحده جل وعلا الذي يرفعه، وعلى العبد أن يكون حريصًا على اللجوء إلى من بيده كل شيء، وأن يأخذ بالأسباب التي تجعله مظنة لإجابة الدعاء، فردًا وجماعةً وأمةً. لكن أن يُحصَر ذلك في أماكن دون فقه فهذا غير صحيح؛ فلو عملنا قياساتنا: كيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على بُعد مرمى حجر في أيام التشريق من الكعبة المشرفة ولكنه لا يصلي إلا في وادي منى؟ لو كان الأمر قياسًا لكان القياس يفضي إلى أن يُقال بأن صلاة بمائة ألف صلاة خير من أن يصليها في موضع آخر في المسجد الحرام. وكيف يصلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأعياد –التي هي شعار المسلمين– في الجبان والمصليات، ولا يصليها في المسجد الحرام حين يكون في موسم الحج، ولا في مسجده الشريف حين يكون في المدينة، وإنما يصليها في المصليات والجبان؟ فليس الأمر منوطًا بهذه القياسات. ثم استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، وبيَّن أنه في أحوال أيسر من الطواعين والأوبئة –مثل شدة مطر أو شدة ريح، وذكر الفقهاء قياسًا عليها العواصف والثلوج– كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن أن يقول: "ألا صلوا في الرحال" أو "صلوا في رحالكم" أو "صلوا في بيوتكم"، وهو نفسه الذي يأمر من لم يأت إلى المسجد أن يُنادى له بهذا النداء؛ فلم يقل: سنذهب رغم ذلك إلى المسجد لأنه أقرب إلى أن ترتفع عنا هذه الأحوال. وذكر أنه لما بيَّن أن من أسباب التخلف عن الجماعة الخوف والمرض، فإنما قال ذلك من هو مسدَّد بالوحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، فلا مكان يمكن أن يُحصر فيه الذكر والدعاء والتوجه إلى الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "جُعلت لي الأرض مسجدًا"، فهناك أحوال خاصة وظروف معينة لابد أن يأخذ فيها المسلمون بما هو واسع لهم في دينهم. العبرة بصدق توجه القلوب، وبتخلُّص النفوس من أدوائها على مستوى الفرد والمجتمع، من إقامة شعائر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مراجعة النفس ومحاسبتها، مع الأخذ بالأسباب الوقائية والعلاجية التي تقي من انتشار هذه الأوبئة؛ فحينما نتجه هذه الوجهة نكون قد أخذنا بطرف الحبل، وطرفه الآخر بيد ربنا تبارك وتعالى، الذي يتكفل لنا بالنتائج، لكن حينئذ لن نكون قد تسببنا في أذى أخ أو قريب أو جار، لأننا لم نفهم ديننا ولم نفقه سعة شريعتنا، ولم نتسبب في انتشار هذه العدوى وجثوم هذا الوباء علينا مدة تضيق معها صدورنا. وبيَّن أن الذي يحصل –للأسف– أن الناس إما لضعف فقه، أو لأغراض دنيوية ومصالح في نفوسهم، يخطئون الاتجاه، مع أنه لا جدال في ما يجده المسلمون الصادقون من أشواق عظيمة للعودة إلى بيوت الله عز وجل، وهذا في حد ذاته مما يؤجر عليه المسلم ويُثاب، "نية المؤمن خير من عمله"، وهو بنيته هذه حينما يكون مخلصًا لربه تعالى ينال ثواب ذلك العمل الذي فاته. أما إذا لم تستند هذه الأشواق والمشاعر إلى فقه صحيح، فإنها يمكن أن تقود المسلم إلى الوقوع في الخطأ، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7]، وذكر حديث فرض الحج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو قلتُ نعم لوجبتْ عليكم، وما استطعتم»، ليبيِّن أن هدي هذا الدين هدي قاصد راشد معتدل. وختم بأن عدم تمكننا من الوصول إلى بيوت الله عز وجل لا ينفي أننا سنظل داعين متبتلين متوجهين إلى الله غدوةً وعشيًا، سائلين أن ييسر أحوالنا ويرفع عنا الضرَّاء ويزيل هذا البلاء عن البلاد والعباد حيثما كنا، وفي كل وقت سنُلح على الله تعالى، وسنأخذ بهذه الأسباب، وسنحمل أنفسنا على سعة شريعتنا وما فيها من قصد واعتدال، والله المستعان.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١١‏/٤‏/٢٠٢١👁 4 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 29 شعبان 1442 هـ HD

أحكام المساجد والمصلياتالعقيدةفتاوى السفر

✦ فتاوى مشابهة

البلاء وترك المساجد زمن الوباء

4 👁

هل صحيح أن سبب استمرار الأمراض والابتلاءات هو قصور الوصول إلى أماكن العبادة، مع أن الإيمان والعبادة مظنة رفع البلاء، وما الموقف الشرعي من إغلاق أو تقييد المساجد زمن الوباء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٤‏/٢٠٢١

حكم استمرار إغلاق المساجد

2 👁

هل للجهة الشرعية رأي في استمرار إغلاق المساجد، وهل ما زال الحكم الشرعي يقتضي إبقاءها مغلقة بسبب الجائحة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

فتح المساجد للطمأنينة

2 👁

هل فتح المساجد في زمن الجائحة أولى لأن إغلاقها يزيد القلق والخوف، بينما فتحها يبعث الطمأنينة في النفوس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/١٠‏/٢٠٢٠

حكم استمرار إغلاق المساجد

2 👁

هل إغلاق المساجد في ظل جائحة كورونا لا يزال قائماً بحكم شرعي يقتضي إبقاءها مغلقة مع فتح أنشطة أخرى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/١٠‏/٢٠٢٠

إطالة الإغلاق وتعوّد البيوت

2 👁

هل طول مدة إغلاق المساجد سيعوّد الناس على الصلاة في البيوت ويضعف ارتباط الأبناء بالمساجد وروح التعلق بها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/١٠‏/٢٠٢٠

الخلاف حول فتح المسجد زمن الوباء

2 👁

إذا رفض وكيل المسجد أو مجلس الأمناء فتح المسجد للصلاة بسبب اشتراطات الجائحة، بينما جماعة المسجد مستعدون لتحمل المسؤولية والالتزام بالشروط، فعلى من يكون الاحتكام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٦‏/٤‏/٢٠٢١