⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هناك أسباب تقوي الإيمان في النفوس؛ منها النظر في ملكوت السماوات والأرض، والشعور بأن الله سبحانه وتعالى منه المبدأ وإليه المرجع، وله الحمد في الآخرة والأولى، وأنه له على عباده أن يحسنوا عبادته، وأن يحسنوا عبوديتهم له، وأن يقيموا موازين القسط التي أنزلها فيما بينهم، وأن لا يُحتكَم إلا إلى هذه الموازين التي أنزلها سبحانه وتعالى.
عندما يرسخ الإيمان في قلوب الناس إلى هذا الحد، فإنه لا بد من أن يُحافَظ على هذا الإيمان، ويظل الإيمان ثابتا يتحدى كل الزعازع التي تلمُّ به.
وكذلك تدبر ما أنزل سبحانه في كتابه؛ الله سبحانه وتعالى جعل بين أيدينا كتابين: كتابا منشورا، وهو هذا الكون الذي نراه بأبصارنا ونُحسُّه بمشاعرنا، وهناك كتاب أيضا مستور، هذا الكتاب هو القرآن الكريم الذي جاء بالعجب العجاب، وهو على أي حال هو الترجمة الصادقة لسنن هذا الكون ونواميسه، هو المرآة الصافية التي تعكس حقائق الوجود، سواء الحقائق المادية أو الحقائق المعنوية.
هذا القرآن الكريم إن تدبرناه مع التأمل في ملكوت الله سبحانه وتعالى، فإن القلوب لا بد من أن تخضع، والنفوس لا بد من أن تطمئن، والإيمان لا بد من أن يرسخ، والصلة بالله تعالى تظل قوية، ويظل المؤمن دائما حريصا على أن يؤثر رضا الله على هوى نفسه، ولا يجعل في قلبه أيَّ أثرٍ من آثار الهوى يتغلب عليه.
نحن بحاجة إلى هذا، بحاجة إلى أن نتربى على ما ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان مربيا حسن التربية للناس، الله سبحانه وتعالى مَنَّ علينا بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليعلِّمنا، من جهالة كنا أميين على أميين، بهذه النعمة العظيمة، ولكن مع ذلك كان امتنانه سبحانه وتعالى بما يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم من تزكية هذه النفوس مقدَّما على امتنانه بما كان يقوم به من تعليم أصحابها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۖ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]، بدأ بالتزكية قبل تعليم الكتاب والحكمة.
وكذلك قال الله سبحانه وتعالى في امتنانه على العرب الأميين بهذه النعمة العظيمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 151-152].
فالتزكية هي قرينة التعليم، بل هي مقدمة على التعليم، يعني أن التزكية يجب أن تكون هي الهدف؛ الداعي يدعو إلى التزكية ويقوم بالتعليم في نفس الوقت.