⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا للتذكير فقط، هذه الآيات الخمس الأولى التي كانت أول ما أُنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم كما في روايات صحيحة، تكرر فيها الأمر بالقراءة مرتين: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3].
لكن الحثَّ على القراءة وما يتصل بالعلم من الأدوات والوسائل، نجده ممتدًّا في آيات أُخَر، كقوله تعالى: ﴿نۤ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]، وما هذه الآية وحدَها، بل مواضع كثيرة، وسُمِّيَ أهل الكتاب –مع ما بلغوا، ما وصلوا إليه من انحراف حتى في العقيدة– لكنهم، لكن الله تبارك وتعالى اختار لهم وصف "أهل الكتاب" في كتابه الكريم إلى آخر مواضع كثيرة.
وكذا كانت عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتبة، كتبة الوحي؛ فلذلك أكرم من كان يحسن القراءة والكتابة من أصحابه الأوائل الذين استجابوا لدعوته، فخصَّهم بأن جعلهم كتبة للوحي. كان يُفادي الأسرى –كما حصل في بدر– مع شدة احتياجهم، كان يفادي أسرى المشركين بتعليم عدد من أولاد المسلمين القراءة والكتابة، نعم. واتخذ له كاتبًا، واتخذ له مترجمًا عليه الصلاة والسلام، إلى آخر ما كنا نجده من عناية فائقة بالعلم والمعرفة والكتابة والقراءة والحث عليها حتى صارت هوية مميزة لهذه الأمة.
ولذلك هذه القضية: أن القراءة من أخصِّ سمات هوية المسلمين، مسألة لا بد منها، لا بد منها اليوم، حتى تفهم الأجيال المتتابعة من أبناء المسلمين مميزات هويتهم.
أمكن لنا أن ننظر في حضارة المسلمين؛ أبدعوا في كل المجالات، ما ترفعوا عن الأخذ عن غيرهم من الحضارات، قبلوا منهم الحق، رشَّحوا ما وصلهم –وفقًا لمعايير بعد كثير من البحث والعناية والدراسة والمقارنات– نقَّوه من الشوائب، ثم بعد ذلك أضافوا إليه بأبحاثهم ودراساتهم وعلومهم، وبلغوا به شأوًا بعيدًا في مختلف مجالات العلوم والمعرفة.
في المجال الإنساني والأدبي، بكل أنواع العلوم الإنسانية والآداب؛ في مجال الجغرافيا، مجال التاريخ، في مجال بعد ذلك العلوم التطبيقية: الفلك، الرياضيات، الفيزياء، الطب، أنواع الرياضيات بأنواعها أيضًا، نعم.
هذه الريادة العلمية كان منشؤها تلك النقلة الحضارية التي أحدثها القرآن الكريم فيهم. ولذلك فإن من المعايير التي يُستند إليها في عالم اليوم في معرفة قوة البحث العلمي في مؤسسة أكاديمية أو في الجامعات، قدرُ ما يُقتبَس من أبحاث هذه المؤسسة، أو مراجع هذه المؤسسة، أو الباحثين في هذه المؤسسة التعليمية، في المجلات والنشرات العلمية.
إلى يومنا هذا أكثرُ ما يُقتبس، وأكثر ما اقتُبس إنما هو من القرآن الكريم في مجالات التاريخ، في مجالات العلوم الإنسانية، بل حتى في مجالات العلوم التطبيقية في كثير منها، وهذا أُثبت بدراسات إحصائية: أن أكثر كتاب عبر التاريخ اقتُبس منه وأُخذ منه ما هو القرآن الكريم، سبحان الله.
نفعُ التعرّف على مثل هذه الحقيقة أن ندرك أهمية القراءة، وأنها شكّلت، أن هذا الدين، هذا القرآن الكريم شكّل لنا هويتنا الحقيقية، وتمكّنا من تملك هذه الهوية حينما التزمنا بما اشتمل عليه القرآن الكريم.
ولذلك لا بد لنا اليوم أيضًا أن نعود إلى القراءة؛ لأنها ليست من الفواضل والأمور الهامشية في حياتنا، كما تقدّم، هي جوهر وأساس وأُسٌّ في هذا الدين، لا يصح لنا أن نجعلها في آخر أولوياتنا.
ويعني هذا يقودني –ضرورة– إلى أن نتقن اللغة التي نزل بها القرآن الكريم؛ يعني أن نجعل في صدارة قراءتنا وما نختار من قراءة ما نتمكن به من فهم بلاغة القرآن الكريم، وأن نتذوّق إعجازه وحسن بيانه، وأن نردم هذه الفجوة بين أجيالنا وبين كتاب ربنا سبحانه وتعالى، حتى يشعروا بجمال القرآن الكريم ويتذوقوا بلاغته، ويعززوا أبحاثهم ودراساتهم بالمنهج الذي يرسمه لهم القرآن الكريم، حتى يصححوا أيضًا نظرتهم إلى هذه الحياة، وإلى الناس من حولهم فيها.