⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّم لنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوَم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد.
فلا بد لنا أولا أن ندرك أن أهمية هذا الموضوع إنما تكمن في كونه مرتبطا بأمر يتعلق بإنشاء الأسرة، نعم، ونحن نعلم أن آيات الكتاب العزيز وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية كلها تُنزِّل الأسرة منزلة عالية رفيعة، ولذلك كان كل ما يتعلق بإنشاء أسرة متينة تكون محضنا صالحا لتنشئة الذرية، وتزيد من أواصر العلاقات بين أفراد المجتمع، وتمثل النواة التي تبني الوحدة والتآلف والترابط والتواد والتعاطف بين عموم أسرتي الزوجين، كما أنها تكون المصنع الذي تُربَّى فيه الأجيال، فإن كل ما يتعلق بالزواج وتنشئة الأسرة أُنزل هذه المنزلة لأهمية هذا الموضوع.
نعم، ولذلك نجد أن معالجات قضايا الأسرة تشريعا وموعظة وذِكْرى وتنبيها إلى بعض القضايا توجد في أغلب السور المدنية، لا سيما في السور الطوال، وهذا يؤكد أهمية موضوع الأسرة. نعم، فلا غرابة إذاً أن يكون موضوع المهر أو الصداق من جملة القضايا التي أولَاها هذا الدين عنايته؛ لأنه يرتبط بقضية أساسية محورية جوهرية لا يقتصر أثرها على فردين يقترنان بعقد زواج ويستمتعان ببعضهما تلبية لرغبة فطرية، وإنما يمتد الأثر بعد ذلك إلى أسَر هذين الزوجين، وإلى لبنات بناء المجتمع، وإلى الذرية، أي إلى الأجيال القادمة وما يُناط بها من مسؤوليات وأمانات، نعم.
فيجب على المسلمين أن يولوا قضايا الأسرة الأهمية اللازمة، ويجب عليهم أن يشتغلوا بمناقشة قضاياها، وأن يركزوا على مسألة الأسرة وقضايا الأسرة؛ لأنها كما تقدم اللَّبِنة النواة التي تبني مجتمعا صالحا، والتي تُهيِّئ الأجيال للقيام بأدوارها والاضطلاع بمسؤولياتها في هذه الحياة، وهي سبب بناء أواصر القربى والمودة والرحمة بين الناس في أوطانهم، نعم.
فإذا ثبت هذا فإننا سنفهم لِمَ جعل الله تبارك وتعالى الزواج آية بينة ظاهرة من آياته في خلقه وفي تشريعه حينما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فيمكن لنا أن نفهم حينئذٍ أن ركائز الزواج تقوم على تحقيق السكون، السكون النفسي، وتلبية رغبات هذه الفطرة للطرفين، وهي إشباع الرغبة الجنسية وتحقيق الإحصان والإعفاف، وإطفاء أوار شهوات هذه النفس التي إن لم تُطفأ فإنها يمكن أن تستبدَّ بهذا الإنسان ذكرا كان أو أنثى، لتجعل منه عبدا ذليلا لأهوائه وشهواته، سادرا في رِيّه في هذه الحياة الدنيا، ناشرا فيها الفتن والفساد، نعم.
ولذلك يمكن لنا أن ندرك هذه الحكمة وهذه الركيزة: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذه ركائز أخرى، ركيزة ثانية وثالثة، وهي أنها تنشئ أواصر من المودة، وهي جوانب معنوية نفسية تحتاج إليها النفس البشرية، وتنشأ بين الزوجين رحمة، وهي ركيزة ثالثة تمتد أيضا إلى الذرية من بعدُ، وإلى الأسرة الكبيرة، وإلى المجتمع، نعم.
إذاً هذا هو وضع الأسرة، ولا بد لنا أن نفهم هذه المقدمة حتى نعرف لِمَ كان المهر أيضا جزءا من هذه المنظومة، نعم، لا يصح لنا أن نُخرج هذا الجزء وأن نظن أنه منفصل منبتٌّ عن تكييف الإسلام للزواج وبناء الأسرة الصالحة والمَحْضَن الطيب الصالح، نعم.
فيكون الجواب حينئذٍ أن المهر قطعا ليس دلالةً على سلعةٍ تُعرَض فتُباع أو تُشترى، وإنما هو منتظم تمام الانتظام مع ما تقدم من مفردات هذا النظام المتناسق المتناسب المتناسق البالغ الكمال؛ لأنه رباني من عند الله تبارك وتعالى، ولأنه يتناول هذا الإنسان وما يحتاج إليه في هذه الحياة الدنيا ليعيش في طمأنينة وهدوء، وليحقق كل رغباته.
ولهذا قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]، ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]، فهذه الآية الكريمة تدل على أن الصداق ليس معاوَضة لا على أبضاع ولا على ما سوى ذلك، نعم، وإنما يدل على أنه هدية أوجبها الشرع في الزواج، تحقِّق كرامة الطرفين؛ لأنها تشريع من عند الله تبارك وتعالى، لم تُوكَل إليهما، ولا يصح لهما شرعا أن يتفقا على أن لا يكون بينهما مهر، نعم.
ثم إنها تحقيق لكرامة المرأة بأن يظهر أن الرجل راغب فيها طالب لها، نعم، فهي ليست سلعة معروضة، وإنما هو ساعٍ إليها، يُثبِت أنه جادٌّ بتقديم هذا المهر، نعم.
يتناسب هذا مع كون الرجل أُعطي حق القِوامة؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، ومفهوم القِوامة يبدأ منذ نشوء هذا الزواج، نعم، بين الطرفين، فحينئذ كان عليه أن يثبت أنه قيِّم على شأن هذه الأسرة، أُسنِد إليه أمر قيادة الأسرة ورئاستها، والسير بها نحو الصلاح والخير والرشد وما يحقق مقاصد هذا الزواج، فكان عليه أن يدفع هذا المهر ليثبت هذا كله، وليحقق، وكأنه في مقابل ذلك يؤكد على مفهوم الأسرة في هذا الدين الحنيف، نعم.
كما أنه ينفي في المقابل أن يكون سببا للتلاعب بأمر الزواج، وأن يكون سببا لأن يخوض اللهوَن الخائضون الذين لا يكترثون لأمر الزواج؛ فيتقدمون اليوم لامرأة وغدا لغيرها، ففي هذا ما يمنع مثل هذا التلاعب.
إذاً لا مجال للقول بأن هذا يمكن أن يُنظَر إليه على أنه سلعة أو أنه ثمن لأبضاع، هو على خلاف ذلك تماما؛ حينما يكون كذلك فإن الشرع قد حرَّم ذلك الجَعْد، فقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَهْرَ البَغِيِّ»؛ لأنه سفاح، فلا يحل أن يُدفَع، فهو ظلمات بعضها فوق بعض.
أما هذا النكاح الذي شرعه الله تبارك وتعالى، فإن من شعاره الذي يحقق المعاني المتقدمة، ومن شروطه الذي تتحقق به مقاصده، هذا المهر الذي شرعه الله تبارك وتعالى على الأزواج حقا للنساء، هِبةً ونِحلةً وعطاءً من الأزواج للنساء.
والله تعالى أعلم.