⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فلا بد لنا أولا أن ندرك أن أهمية هذا الموضوع إنما تكمن في كونه مرتبطا بأمر يتعلق بإنشاء الأسرة، ونحن نعلم أن آيات الكتاب العزيز وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية كلها تنزل الأسرة منزلة عالية رفيعة. ولذلك كان كل ما يتعلق بإنشاء أسرة متينة تكون محضنا صالحا لتنشئة الذرية وتزيد من أواصر العلاقات بين أفراد المجتمع وتمثل النواة التي تبني الوحدة والتآلف والترابط والتواد والتعاطف بين عموم أسرتي الزوجين، كما أنها تكون المصنع الذي تربى فيه الأجيال؛ فإن كل ما يتعلق بالزواج وإنشاء الأسرة أنزل هذه المنزلة لأهمية هذا الموضوع.
فإذا ثبت هذا فإننا سنفهم لما جعل الله تبارك وتعالى الزواج آية بينة ظاهرة من آياته، وفي تشريعه حينما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. فيمكن لنا أن نفهم حينئذ أن ركائز الزواج تقوم على تحقيق السكون، السكون النفسي، وتلبية رغبات هذه الفطرة للطرفين، وهي إشباع الرغبة الجنسية وتحقيق الإحصان والإعفاف، وإطفاء أوار شهوات هذه النفس التي إن لم تُطفأ فإنها يمكن أن تستبد بهذا الإنسان ذكرا كان أو أنثى لتجعل منه عبدا ذليلا لأهوائه وشهواته سادرا في هذه الحياة الدنيا ناشرا فيها الفتن والفساد.
ثم قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذه ركائز أخرى، ركيزة ثانية وثالثة، وهي أنها تنشئ أواصر من المودة وهي جوانب معنوية نفسية تحتاج إليها النفس البشرية، وتنشأ بين الزوجين رحمة وهي ركيزة ثالثة تمتد أيضا إلى الذرية من بعد، وإلى الأسرة الكبيرة، وإلى المجتمع.
إذا هذا هو وضع الأسرة، ولا بد لنا أن نفهم هذه المقدمة حتى نعرف لما كان المهر أيضا جزءا من هذه المنظومة، لا يصح لنا أن نُخرج هذا الجزء وأن نظن أنه منفصل منبت عن تكييف الإسلام للزواج وبناء الأسرة الصالحة والمحضن الطيب الصالح.
فيكون الجواب حينئذ أن المهر قطعا ليس دلالة على سلعة تُعرض فتُباع أو تُشترى، وإنما هو منتظم تمام الانتظام مع ما تقدم من مفردات هذا النظام المتناسق المتناسب المتناسق البالغ الكمال؛ لأنه رباني من عند الله تبارك وتعالى، ولأنه يتناول هذا الإنسان وما يحتاج إليه في هذه الحياة الدنيا ليعيش في طمأنينة وهدوء وليحقق كل رغباته.
ولهذا قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]. فهذه الآية الكريمة تدل على أن الصداق ليس معاوضة لا على أبضاع ولا على ما سوى ذلك، وإنما يدل على أنه هدية أوجبها الشرع في الزواج تحقق كرامة الطرفين؛ لأنها تشريع من عند الله تبارك وتعالى لم تُوكَل إليهما، ولا يصح لهما شرعا أن يتفقا على أن لا يكون بينهما مهر.
ثم إنها تحقيق لكرامة المرأة بأن يُظهر أن الرجل راغب فيها طالب لها، فهي ليست سلعة معروضة، وإنما هو ساعٍ إليها يثبت أنه جاد بتقديم هذا المهر، يتناسب هذا مع كون الرجل أُعطي حق القِوامة، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. ومفهوم القِوامة يبدأ منذ نشوء هذا الزواج بين الطرفين؛ فحينئذ كان عليه أن يثبت أنه قيِّم على شأن هذه الأسرة، أُسنِد إليه أمر قيادة الأسرة ورئاستها والسير بها نحو الصلاح والخير والرشد وما يحقق مقاصد هذا الزواج؛ فكان عليه أن يدفع هذا المهر ليثبت هذا كله، وليحقق، وكأنه في مقابل ذلك يؤكد على مفهوم الأسرة في هذا الدين الحنيف.
كما أنه ينفي في المقابل أن يكون سببا للتلاعب بأمر الزواج، وأن يكون سببا لأن يخوض اللهوُن الخائضون الذين لا يَكترثون لأمر الزواج؛ فيتقدمون اليوم لامرأة وغدا لغيرها، ففي هذا ما يمنع مثل هذا التلاعب. إذا لا مجال للقول بأن هذا يمكن أن يُنظر إليه على أنه سلعة أو أنه ثمن لأبضاع، هو على خلاف ذلك تماما.
حينما يكون كذلك فإن الشرع قد حرَّم ذلك؛ فقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهر البغي لأنه سفاح فلا يحل أن يُدفَع، فهو ظلمات بعضها فوق بعض. أما هذا النكاح الذي شرعه الله تبارك وتعالى فإن من شعاره الذي يحقق المعاني المتقدمة، ومن شروطه الذي تتحقق به مقاصده، هذا المهر الذي شرعه الله تبارك وتعالى على الأزواج حقا للنساء، هِبة ونِحلة وعطاء من الأزواج للنساء، والله تعالى أعلم.