⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نأتي الآن إلى هذا التفسير الذي توصّل إليه هذا الباحث: هل يتفق مع كل ما ذكرته؟ لا، يعني من خلال السؤال، ذكرت السائلة أن من ضمن ما ذكره أن «البلوغ» في القرآن الكريم إنما هو لبلوغ غاية زمنية.
أصغر متعلِّم للكتاب العزيز يقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، فهل البلوغ الكعبة هنا بلوغ لزمان؟ هذا تأويل باطني بعيد متعذّر.
وأن شخصية ذي القرنين تربط بين عالمين –ماذا قال؟ عالم الأرض وعالم السماء؟– لا، هذه عوالم متخيَّلة متوهَّمة في ذهن هذا الذي قال هذا الكلام، وإلا فإن السياق –يعني لو أردنا إعمال ما تحدّثنا عنه سابقًا– فإن السياق القرآني يتحدث عن شخصية بشرية أوتيت من القوى والسلطة والملكات ما سخّرته في نصرة الحق والعدالة ومناصرة المظلومين، بحيث استحق الثناء من الله تبارك وتعالى؛ فرفع الظلم عن المظلومين، وأكرم المحسنين، وسعى في الأرض عدلًا وبسط فيها الحق. هذه شخصيته، وتعامل مع أناس هم من البشر، من بني البشر.
وكلمة «سبب» في القرآن الكريم تأتي ويُراد بها الوسيلة والواسطة؛ فالسبب الذي يتخذه الإنسان إنما هو الوسيلة التي يستعين بها ليصل إلى مبتغاه. ﴿آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84] أي هناك مما وهبه الله تبارك وتعالى إيّاه، ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85] أي إنه أضاف إلى ما آتاه الله عز وجل من مواهب وملكات، أضاف اجتهادًا من عنده وتحريًا وتتبعًا للوسائل والوسائط والأسباب التي أفضت به إلى تحقيق مقاصده.
فهذه الأوهام أنه يصل بين عالمين لا أساس لها، لا يمكن، لا تحتملها لغةُ قصة ذي القرنين في كتاب الله عز وجل، ولا شاهد لها لا من عقل ولا من نقل، أي هذا التفسير. وما نجده في كتاب الله عز وجل متّسق متناسب منتظم، سهل المأخذ، قريب المعنى إلى النفوس؛ كما تقدم هي شخصية حقيقية أوتيت مُلكًا وسلطة وقوة، ولكنها شخصية مؤمنة عادلة تناصر الحق والعدل وتنشر الفضائل في هذه الأرض، ولذلك ورد ذكره في هذه السياقات، في كل المواقف التي شهد له بها القرآن الكريم، وأعطى القرآن إشارات وتلميحات لشخصيته وللأماكن التي كان فيها وللشعوب والقبائل التي تعامل معها، لأنها ليست مقصودة بالذات من القصة، إنما كان المقصود إثبات صدق رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بإطلاع الله تبارك وتعالى له على هذه القصة، وهي قصة غريبة لا يعرفها قومه، ولا يمكن أن تتحصّل لديه عند الطاعنين المشكِّكين الذين أرادوا امتحانه في صدق ما يدعيه من أمر النبوة بسؤاله عن ذي القرنين، فجاء الجواب وحيًا من عند الله تبارك وتعالى بما هو غير معهود لدى قومه.
فالمقصود هو إثبات هذه النبوة، ثم المقصود من قصته أيضًا بيان نصر الله تبارك وتعالى لعباده الأتقياء المؤمنين، وإعلاء شأن الحق والعدل في أي أمة من الأمم كانت، وفي أي وقت من الأوقات. هذه هي مقاصد القصة أو سيرة ذي القرنين في كتاب الله عز وجل، بالإضافة إلى مقاصد أخرى.