⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: أولًا هذه القضية جديرة بالدراسة والعناية، والذي أجده من مطالعة يسيرة لوجوه الإعجاز والبيان في القرآن الكريم أن هذا البيان القرآني مشتمل على المكونات التاريخية والاجتماعية للحقب الزمنية والأحداث التي يحكيها.
وسأضرب لذلك أمثلة: في قصة يوسف في سورة يوسف سنجد ألفاظًا تتكرر –مع أن أغلب الأحداث وقعت في أرض مصر–، فإذا قارناها أيضًا بسورة القصص وما حصل لموسى عليه السلام –وكثير من الأحداث حصلت في أرض مصر– سنجد أن اللغة مختلفة.
على سبيل المثال نجد في سورة يوسف إشارات واضحة إلى الاسترقاق، بيع وشراء العبيد، استعمال هذه الألفاظ: الرب، السيد؛ ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، ﴿قَالَ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، عصر الخمر؛ هذه الألفاظ لا نجدها في قصة موسى في سورة القصص.
سأنتقل إلى مقارنة في نفس السورة لنفس الشخصية –موسى عليه السلام–: الحوار الذي دار بينه وبين الجنود والإسرائيليين قبل حادثة الهجرة، قبل أن يهرب موسى عليه السلام من أرض مصر في الواقعتين؛ الألفاظ القرآنية وتركيب الجمل القرآنية يختلف عن التراكيب والألفاظ التي استُعملت حينما وصل موسى عليه السلام أرض مَدْيَن.
سنجد أن هناك اختلافًا ينبغي أن يُدرس وأن يُلتفت إليه؛ ﴿فَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ * قَالَ مَا خَطْبُكُمَا * قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
هذه الألفاظ لو تلوتها على عربيٍّ قُحٍّ لأدرك أن هذه البيئة بيئة عربية؛ نحن إلى اليوم نستعمل هذه الألفاظ: ورد، ماء، الذود، السقي، الظل… هذه تعكس البيئة بمكوناتها الزمانية والاجتماعية التي حصلت فيها هذه الواقعة.
بينما إذا رجعنا قليلًا إلى حادثة: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ستجد ألفاظًا وسياقات لغوية تتناسب مع الحياة العسكرية والبيئة الشديدة.
ولذلك فلا يمكن أن يقال بأنه يُنظر إلى هذا الوعاء اللغوي مجردًا من هذه المكونات؛ فكيف إذا كان هو الذي يسمح لنا بهذا، وهو الذي يأمرنا، يفسح المجال ويطلب منا أن ننظر فيه لنصل إلى كنه ما هو فوق المعاني المجرَّدة لهذه الألفاظ.
لكن دون تكلُّف، بحسب ما تسمح به اللغة ويسمح به السياق؛ فلا يأتي أحد أيضًا ويتكلَّف في حمل الألفاظ على غير معانيها بدعوى نظريات اجتماعية أو نظريات تاريخية، فيريد أن يُسقِط الألفاظ القرآنية عليها وأن يلوي أعناقها لتوافق هذه النظريات؛ لا، الأصل أن يحصل العكس.
فعسى أن يكون في هذا كفاية.