⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه قضية مهمة، نعم، ولا يمكن أن يظن ظان أن شريعة من الشرائع، حتى لو كانت شريعة وضعية ابتدَعها البشر، لا تقصد إلى تحقيق مصالح للأنام في واقع حياتهم.
نعم، وبناء على ذلك فإن جلب المصالح الدنيوية للناس أمر محسوم من جراء الشريعة أو النظام الذي ينتسبون إليه، فما من نظام يضبط للناس حياتهم إلا وهو يهدف إلى تحقيق الأمن والرخاء والرفاه وجلب الخير ودفع الشر عن الناس.
فهذا أمر مفروغ منه، لأنه يترتب عليه إدراك هذه الحقيقة، يترتب عليه أن شريعة هذا الدين الخالد إنما اكتسبت مزايا أخرى لا توجد في غيرها من الأنظمة الوضعية ومن الأفكار والأطروحات، وما ينتسب إليه الناس مما يضبطون به حياتهم.
لا بد أن تشتمل على غير هذه المقاصد الدنيوية أو المصالح الدنيوية بمفهومها المادي، ولنتفق على أن نسميها بالمصالح الدنيوية المادية، لأننا لازلنا حتى حينما نتحدث عن الجانب الإيماني أو نتحدث عن مصالح معنوية فإننا نتحدث أيضا عما هو حاصل متحقق في هذه الحياة الدنيا.
لكن هناك معنى إيمانيًا روحيًا تربويًا نفسيًا لا يوجد في غير هذه الشريعة، وإن وجد فإنه يوجد بنكَدٍ شديد وبتصادم مع المصالح المادية التي تحققها وتحفظها وتصونها هذه الشريعة الغراء.
نعم، في الآية التي استشهدتم بها في صدر هذه الحلقة اليوم أو فيما أشرتم إليه من معنى الاستخلاف، نعم، حينما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن الله تبارك وتعالى حينما آذن الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وأطلعهم على ما سيُطْلع به آدم في هذه الأرض قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
نعم، هذه الآية الكريمة التي تتحدث بداية عن استخلاف الإنسان في هذه الأرض في حقيقتها تبين أن هذا الإنسان بمفهوم الخلافة هذه مطلوب منه أن يصلح في هذه الحياة، وأن إصلاحه لهذه الحياة وعمارتَه لها إنما تتحقق بعبوديته الحقّة لله تبارك وتعالى.
لان الملائكة حينما تساءلت ذكرت أسوأ خصال هذا الإنسان، وهو أنه سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، وذكروا من أنفسهم أشرف ما هم عليه، وهي الصورة المقابلة التي أرادوا بها تبيين حقيقة هذا المخلوق الذي كُرِّم هذا التكريم الإلهي من الله تبارك وتعالى ليكون خليفة في الأرض، فقالوا: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.
فالصورة المقابلة للإفساد في الأرض ولسفك الدماء كان يُفترض أن تكون الإصلاح في الأرض وصون الدماء وحفظ الحياة، نعم، لكنهم ذكروا موجبها وسببها الأصلي الذي لا يتخلف عنها، وهو حسن العبودية لله تبارك وتعالى بقولهم: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.
نعم، وكذا هذا المعنى نجده في جملة من الأحكام الشرعية، أي هذا المعنى التربوي الإيماني الذي يصقل هذه النفوس ويصوغ منها بشرًا قادرين على عمارة هذه الأرض وفق منهج الله تبارك وتعالى، جالبين للخير والهدى والرشاد، محققين للصلاح، دافعين للفساد والشر والأذى عنها.
نعم، فالله تعالى يقول في تشريع عمود الدين في تشريع الصلاة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، نعم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
نعم، فمع أن هذه الآية الكريمة تبين المعاني الروحية الحكم والغايات التي تتحقق لهذا الإنسان من محافظته على الصلاة وهي أنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهذه معانٍ تربوية تتعلق بتزكية هذه النفوس، فهي مصالح دنيوية تجعل من هذا الإنسان موصولا بالله تبارك وتعالى، مدركا لحقيقة هذه الحياة الدنيا، منتهيا عن الفحشاء والمنكر، إلا أنها تختم ببيان حقيقة أخرى، مع أهمية كل ما تقدم، لكن يأتي: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
نعم، فإنعاش قلب هذا الإنسان بذكر الله تبارك وتعالى من خلال أدائه للصلاة هو الغاية الأسمى والمصلحة العظمى المتوخاة من محافظته على الصلاة.
نعم، نلحظ هذا في صميم ما وُصِفت به دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله حينما قال الله تعالى في كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، وهو متناسب مع الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]، والفلاح إنما يكون بجلب الخير لهذه النفس البشرية والهدى والرشاد لها ودفع سُبل الغواية والضلال والهوى والشهوات عنها.