⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هناك قدر لا بدَّ منه؛ فقد تقدّم في مناسبة سابقة أن التكوين العلمي للمسلم إنما يبدأ بعلوم الشريعة، وإلى علوم الشريعة ترجع سائر العلوم والمعارف التي يكتسبها هذا الإنسان؛ إذ لا غِنى لمسلم –مهما كان تخصّصه أو مجال دراسته– عن علوم الشريعة، إذ بها يتبصّر كيف يعبد الله تبارك وتعالى، كيف يأتي ما أمره الله عز وجل به، وكيف ينتهي عما نهاه عنه ربّه جل وعلا.
ولا يقتصر الأمر –كما يظنّه بعض الناس– على معرفة الحلال والحرام؛ فإن علوم الشريعة لا تُحصر في التعرّف على الحلال والحرام، وإنما تفتح هذه العلوم للمكلَّف: كيف يحمل نفسه على طاعة الله تبارك وتعالى، كيف يتنبّه لوساوس النفس والهوى والشيطان، كيف يتغلّب على زخارف هذه الحياة الدنيا، كيف يفتح صفحة جديدة إن زلّت به القدم، فيرجع إلى ربّه تبارك وتعالى تائبًا منيبًا، ما الذي يحتاج إليه لجعل توبته توبةً نصوحًا، كيف يتخلّق بأخلاق هذا الدين مع الناس؛ هذه الأخلاق التي تجعل مما يأتيه وما يذَرُه طبعًا فيه لا يتكلّفه، فيحمل نفسه على سجايا هذا الدين، إلى آخر ما في علوم الشريعة من محاسن ومزايا تفوق ما يتوهّمه كثير من الناس من أن غايتها فقط التعرّف على الحلال والحرام، واستخراج الحلول للمشكلات التي تَعِنُّ للناس في أيامهم ومعاشهم.
فلا غِنى لأحد عن أن يحمل قدرًا من العلوم الشرعية، فكيف إذا كنّا نتحدّث أيضًا عن فهم كتاب الله عز وجل، والله تعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. نعم، كيف إذا كنّا نتحدّث عن احتياج المرء إلى أن يجتنب الأهواء والشهوات التي يواجهها في حياته؛ فإن كان دون زادٍ كافٍ من الخشية من الله تبارك وتعالى، التي تحصل لمن يستحضر معاني علوم الشريعة، ويستحضر مواعظَها ومراشدَها وهداياتِها، ويتبصّر بها، ويسير بها في سجف الظلام الدامس والفتن المتلاطمة التي يواجهها، فإن مثل هذا إن لم يكن متبصِّرًا بعلوم الشريعة فإن العلوم الأخرى التي يدرسها لن تنفعه في مثل هذه الأحوال.
هذا فضلًا عما تحتاج إليه العلوم الأخرى من مبادئ أخلاقية تتعلّق بالبحث وبمناهج البحث وبالتطبيق؛ أي بتطبيق هذه العلوم في واقع حياة الناس، وبتوجيه هذه العلوم –كما يُقال: المادية أو العلوم التطبيقية– الوجهة الصحيحة التي تعود بالنفع على الإنسان والحياة والكون؛ فكل هذا إنما يُستمدّ من علوم الشريعة.
فلذلك فإنه لا ينبغي لمسلم اليوم –وهو يواجه كل هذه الأهواء والشهوات والفتن، وهو يواجه الشبهات التي تتوارد على دينه وخُلُقه، وتتوارَد على هويَّته وهويّة أمّته ومجتمعه– أن يكون خلوًا، لا يليق به أن يكون خلوًا من العلوم الشرعية؛ عليه أن يغترف من علومها، بل أن يزداد كلَّ يومٍ من علوم الشريعة، لا سيما مع ما أتاحتْه هذه الوسائل المعاصرة من سهولة الوصول إلى المعلومة، ومن سهولة الحصول عليها والنفاذ إليها.
فهذه هي كلمتي إلى كل من اشتغل بهذه العلوم، فعسى أن يجعل الله تبارك وتعالى فيما هم بصددِه من مثل هذه العلوم عواملَ للبناء والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم يحملون القدر الكافي لكل ذلك أيضًا من علوم الشريعة، آمين.