⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، أولاً قبل الجواب المباشر عن هذا السؤال لا بد لي من تنبيه، فإن قضية النفاق نظراً لعظم أهميتها ولخطورتها البالغة، ولمنزلتها كما تقدم، للتعرف عليها وعلى أحوال المنافقين وعلى هذه الأمراض التي تصيب القلوب، وعلى كيفية التعامل مع المنافقين ومع خصال النفاق، فإنه لا ينبغي أن يصرفنا نحن اليوم عن هذه العظات والدروس والأحكام الجانبُ التاريخي.
فهذا ما وقع فيه أيضاً بعض شراح الحديث وبعض المشتغلين بالفقه الإسلامي وبعض طلبة العلم، أن تعرفهم على قضية النفاق إنما هو تعرف على الجانب التاريخي منه فقط، وهذا من الأخطاء، لأن القضية أكبر من جانبها التاريخي، وأخطر من الوقوف على بعض المفردات التاريخية الواردة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أهميتها، لكن لا ينبغي أن يُحصر هذا الجانب التاريخي أو أن نُقَصِّر أبحاثنا وأنظارنا وحوارنا حول هذا الجانب التاريخي ليشغلنا عن الجانب العملي، ليشغلنا عما ينبغي لنا أن نستنبطه من أحكام شرعية نحتاج إليها أشد الاحتياج في واقعنا المعاصر.
هذا هو التنبيه. أما الجواب: فالذي يظهر لي هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن رسول الله أسرَّ إلى حذيفة ابن اليمان بأسماء بعض المنافقين تعييناً، وهذا هو المقصود حتى نضع القضية باختصار، لأن القضية في حقيقتها سهلة يسيرة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام يعلم بعض المنافقين على التعيين، يعلمهم بأعيانهم، وسمى بعض هؤلاء لحذيفة ابن اليمان.
وفي بعض الروايات أنه سماهم لعمار، أو سمى بعضهم لعمار، وفي بعض الروايات أن عمار إنما أخذهم من حذيفة لأنه كان معهم كما يعني في بعض الروايات، إذ كان ذلك عند كثير من المحدثين إبان عودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك في العام التاسع، وفي بعض الروايات تقول في العقبة، ولا يراد بذلك عقبة بيعة الرضوان، وإنما يراد بذلك العقبة التي كانت في طريق العودة من تبوك، في محاولة الاغتيال، فهنا سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحذيفة بعض هؤلاء، قيل بأنهم 12 منافقاً، وقيل بأنهم 14، وقيل 15.
فالحاصل للجمع بين الروايات وبين ما ورد في كتاب الله عز وجل من نحو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101]، هذا على سبيل التعيين والحصر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بعضهم بالتعيين، ويعلم غيرهم بالصفات، بالسمات، لا على جهة التعيين بأعيانهم، فلا إشكال أيضاً.
لأن الله تبارك وتعالى قال له: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]، فهناك من يعرفهم بأوصافهم وصفاتهم، وهناك من يعرفهم بأعيانهم، وهناك من كان أمرهم شاهراً ظاهراً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولغيره من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن في أصحابي منافقين»، هو يقول: إن في أصحابي، هل المنافقون من أصحابه؟ يقول: في أصحابي، لم يقل: من أصحابي، «في أصحابي منافقون». إذاً لفهم القضية: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بعض المنافقين على جهة التعيين، ويعلم طائفةً منهم بسماتهم وأوصافهم، والله تبارك وتعالى استأثر بلا شك بما في الصدور، لا تخفى عليه خافية، فتعْيين المنافقين جميعاً في زمانه عليه الصلاة والسلام منكشف له جل وعلا، لكنه أطلع نبيَّه عليه الصلاة والسلام على بعض هؤلاء المنافقين، لحكمة عنده جل وعلا، وتخفيفاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونصباً للسمات والأوصاف التي يتعرف بها المسلمون على هؤلاء المنافقين ليحذروا مكرهم وشرهم.
فلا اختلاف أيضاً بين هذه الروايات، ولا ما نجده أيضاً بينها وبين ما نجده في كتاب الله عز وجل، أو ما هو في سورة التوبة وما في سورة محمد، ليس هناك أي تعارض، وكما تقدم فإن القضية سهلة يسيرة مختصرة، لخصتها فيما تقدم من جواب: أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم تعييناً بعض المنافقين، وسماهم لحذيفة، ولهذا اشتهر أنه كان يُعرف بكاتم سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
هذا الحديث أو هذا الأثر في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار، ولا عبرة بما هو ضعيف منها لا شك، وإنما العبرة بما هو صحيح منها، ولا يلزم أيضاً حتى تعيين الحادثة، حتى لا نترك مجالاً أيضاً لقالة السوء في هذا الموضوع، لا يلزم أن يكون تعيين هؤلاء المنافقين في تلك الحادثة فقط، فإن كيد المنافقين قد ظهر بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وامتد في تلك الفترة المدنية، وكان من هؤلاء المنافقين: كان منهم التآمر، وكان منهم الاستهزاء، وكان منهم الاستعلاء، وكان منهم الكيد والتواطؤ مع الأعداء، وكانت منهم محاولات النيل منه عليه الصلاة والسلام أو الدلالة عليه صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذه الحوادث كلها كفيلة بتحقيق نتيجة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تعرَّف على أعيان بعض هؤلاء المنافقين، وقد تعرف على سمات طائفة كبيرة منهم، وقد كشف بعض هذه الأسماء لحذيفة ابن اليمان، والله تعالى أعلم.