⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا موضوعٌ طويل؛ يعني اختصاره ليس بالأمر اليسير…
أولًا: هذه الآية في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ متصلةٌ بصدر الآية: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾؛ ما هذا الأمر الذي عبَّر عنه القرآن الكريم معاتبًا رسولَنا الخاتم صلى الله عليه وسلم بأنه حرَّم ما أحلَّ الله له؟ وما اللفظ الذي استخدمه عليه الصلاة والسلام لكي يكون هذا العتاب في كتاب الله عز وجل؟
بين المحدِّثين والمفسرين والفقهاء جَدَلٌ وخلاف، إلا أن الظاهر الذي يرجِّحه أغلبُ محققي علم الحديث، وأغلبُ محققي المفسرين: أن ذلك –كما عند الإمام البخاري وغيره– في قصة السيدة عائشة، وفي رواية السيدة عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلًا؛ كان يطوف على نسائه، يزور نساءه، وكان يتأخر عند السيدة زينب، وفي بعض الروايات أنه عند إحداهن دون تسميتها، يعني سُمِّيت بأنها إحدى زوجاته عليه الصلاة والسلام؛ فيتأخر عندها يشرب عسلًا.
فتواطأت السيدة عائشة مع السيدة حفصة –غيرةً منهن على تأخُّره صلى الله عليه وسلم مع السيدة زينب أم المؤمنين زينب– فتواطأت هي وحفصة أنه إذا دخل عليهن أن تقول له: أكلتَ مغافيرَ، إني أجد منك ريحَ مغافير. والمغافير هي طعامٌ كريهُ الرائحة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن تكون منه رائحة؛ هي من صمغٍ –كما يقول بعض المفسرين– حُلوِ المذاق، كريه الرائحة؛ هذه المغافير جمعُ مَغْفور.
فدخل على السيدة حفصة، فقالت له: أكلتَ مغافيرَ، إني أجد منك ريحَ مغافير. فقال: لا، وإنما أكلتُ عسلًا عند زينب بنت جحش –وفي رواية: عند فلانة–، فحلف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يأكل منه، وقال لها: «واكتمي ذلك الأمر حتى لا يبلغ الأمرُ إلى السيدة عائشة» –نحو هذا المعنى–، فقامَت السيدة حفصة رضوان الله تعالى عليها –كما في هذه الرواية، وقيل غيرها– وأخبرت السيدةَ عائشة هذا الذي استكتَمها عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأبدتْه هي للسيدة عائشة؛ فنزل هذا العتاب في كتاب الله عز وجل.
والله سبحانه وتعالى علَّم –أو أرشد– نبيَّه إلى أن تكون معاتبتُه لأزواجه رضوان الله تعالى عليهن معاتبةً رقيقةً لطيفةً، تُبيِّن لهن ما وقَعْنَ فيه من خطأ؛ وهذا أيضًا الذي يفسِّر صدر هذه السورة: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾؛ فالمقصود بذلك امتناعُه صلى الله عليه وسلم عن أكل العسل أو الحلوى والعسل –كما في بعض الروايات– عند بعض أزواجه؛ فالتحريم هنا كنايةٌ عن امتناعه صلى الله عليه وسلم، وحلفِه على الامتناع، أو حلفِه عليها ألا تُبدي ذلك لغيرها.
هذه خلاصة ما عليه أصحُّ الروايات في تفسير هذه الآيات من كتاب الله عز وجل؛ وفيها من الدلالات على أهمية حفظ الأسرار، وأيضًا على سموِّ خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجه، وأيضًا ما يتصل بنمط الحياة الزوجية؛ فيه من الدلالات والأحكام الفقهية ما هو واضحٌ ظاهر.