⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصِبَ لنا علاماتٍ ظاهرةً يحذرنا – حينما نتبينها – من المنافقين، ويبعث برسالةٍ إلى أهل النفاق إلى أن أمرهم مكشوفٌ لأهل الإيمان، وأراد أن يُبَيِّن للمسلمين المنهج الذي يُصلِحون به بيئتهم؛ فيتمكَّنون بعد ذلك من السير في طريق الصلاح والإصلاح والبناء والخير والرُّشد والهدى، حَذِرين من حبائل المنافقين ومن مكائدهم وشرورهم ومن دسائسهم التي يسعون إلى أن يهدموا هذا البناء الشامخ من خلالها.
إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصِبَ لنا صفاتٍ ظاهرةً بيِّنَةً واضحةً نتمكَّن بها من التعرُّف على هؤلاء، وبعد أن نتعرَّف نحذر، مع رجاء أن نسعى إلى مواصلة البناء؛ لأننا نجد أيضًا في كتاب الله عز وجل – كما سيأتي – أن الاشتغال بأهل النفاق يقتصر عند الحذر منهم والحذر من مكائدهم، لكن دون كبير اشتغالٍ يمكن أن يُؤدِّي إلى التأخُّر عن مواصلة بناء الصلاح ونشر الخير والفضيلة ونشر منهج الله تبارك وتعالى في الأرض.
… فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويُلخِّص لنا هذه الخصال التي يتحدث عنها القرآن الكريم بعلاماتٍ ظاهرةٍ واضحة، لكنها خارجة من تلك المشكاة القرآنية.
يقول: آيةُ المنافق … في رواية ابن عمرو، عبد الله بن عمرو، قال: «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالص النفاق، ومن كانت فيه خصلةٌ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها». في رواية أبي هريرة قال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتُمِن خان، وإذا خاصم فجر». حديث عبد الله بن عمرو قال: «أربعٌ من كنَّ فيه» كما تقدَّم في بدايته، قال: «إذا اؤتُمِن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
… هذه خصالٌ ظاهرة: إذا حدَّث كذب، لنأخذها ممَّا اشتركت فيه: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتُمِن خان؛ إذا الكذب في الحديث، والمقصود من ذلك أن يصبح طبعًا غالبًا، وأن يقصد أن يتعمَّد هذا الكذب في حديثه. كيف يعرفه المتلقِّي؟ يعرفه من كثرة كذبه.
وإذا اؤتُمِن خان؛ إذا أُسنِدت إليه أمانة – أي أمانة كانت: أمانة كلمة، أو أمانة سرٍّ من الأسرار الفردية، أو من أسرار المجتمع، أو من أسرار الدولة – فإنه يخون هذه الأمانة؛ إذا عُهِد إليه بأمانة المنصب والمسؤولية فإنه يخون هذه الأمانة.
هذه الخصلة الثانية.
الخصلة الثالثة: «وإذا وعد أخلف»، فإنه حينما يُلقِي الوعود لا يقصد الوفاء بها، وعلامة ذلك أنه يُخْلِف هذه الوعود عمدًا، يتعمَّد ذلك. يُخْلِف وعدًا في مرةٍ أو في مرتين دون أن يتعمَّد ذلك، دون أن يقصده، فقد نصَّ أهل العلم على أن هذا خارج، ليس من صفات المنافقين؛ إذ قد يطرأ على المسلم ما يمنعه من الوفاء بعهده، لكنه حينما أعطى وعدًا فإنه ما كان يقصد إلا أن يفي بوعده ذلك.
فإن كان لا يقصد الغدر، لا يقصد أن يُخنِس في وعده، لكنه لا يكترث، فهذا كاذب؛ كاذبٌ فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، وفيما بينه وبين الناس.
في حديث ابن عمرو وردت خصال أخرى، قال: «إذا عاهد غدر»، فإذا أعطى عهدًا فإنه لا يفي بهذا العهد، يتسم بالغدر والخيانة – والعياذ بالله – وإذا خاصم فجر؛ فإنه إذا نشأ بينه وبين مسلم شيءٌ من الخصومة، من الاختلاف في الرأي أو ممَّا يمكن أن ينشب بين الناس، فإنه يتحوَّل إلى وحشٍ كاسر، لا يُراعي في مؤمنٍ إلًّا ولا ذِمَّة؛ يفجر في الخصومة.
فالحديث نصب علاماتٍ ظاهرةً على النفاق العملي التي تَكشِف طبع الفساد الكامن في الباطن: الكذب المتعمَّد، وخيانة الأمانة، ونقض العهود، والفجور في الخصومة؛ فهي مظاهر سلوكية تكشف عن فساد الباطن، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتماعها علامةً على «نفاق خالص»، ووجود واحدةٍ منها خصلةً من النفاق حتى يدعها.