⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الذي يعينه على ذلك أن يعوِّل على هذه النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة الثابتة. لا مفر للمسلم شرق أو غرب، أخذ من أنظمة وأطروحات وجدليات ونظريات دنيوية أو أعرض عنها، لا مفر للمسلم –إن كان يريد نهج رشد وقامة وصلاح واتزان في هذه الحياة الدنيا– من أن يرجع إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهما مصدرا الخير والرشد والحق والسير على الصراط المستقيم.
ولئن كان المسلم في رمضان قد عاش مع كتاب الله عز وجل تلاوة وتدبرا، ومع ذكر الله عز وجل، وتأمل في هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ كثيرا من أحكامه العملية التشريعية من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ سواء جاءت مبينة لما في القرآن الكريم أو جاءت مستقلة بأحكام من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحيا غير متلو من عند الله عز وجل، فإنه قد درب نفسه بذلك على أن يسير على النهج الصحيح.
فكيف يتراجع بعد ذلك؟ وكيف يتلمس مراشد الهدى والخير والنور في غير هذين المصدرين، وقد رأى أن رمضان هو شهر النصر، وشهر الاستقرار، وشهر هدوء النفس، وسكون الأسرة، وطمأنينة الأخلاق؟ فكيف يعزف عن هذه المكاسب كلها من بعد؟ كيف يترك منابع الهدى والنور، فيعرض عن كتاب الله عز وجل ويعرض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
ولذلك فإن رمضان لا يقتصر أثره على أن يكون مجرد شعيرة تعبدية دون أن نكتشف ما أودعه الله عز وجل فيها من أسرار تتعلق بتجديد منهج الحياة في كل وجوه هذه الحياة؛ مالية كانت أو سياسية أو اجتماعية أو فكرية. فرمضان –لما فيه من إشاعات نورانية وفيوضات قلبية يجدها المسلم في نفسه ومع مجتمعه ومع أمته– فإن عليه حينئذ أن يراجع المصادر التي يأخذ منها؛ فليتزود بالمعرفة كيفما شاء، لكن في ضوء رؤيته المأخوذة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الكون بكل ما فيه، ولهذه الحياة.
فالذي أصاب الناس من شتات ومن حيرة إنما كان بسبب البعد عن مراشد كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام. فإذا أيقن المسلم بأن سر سعادته، وأن الذي يورثه العزة والكرامة والشرف في الدنيا والآخرة إنما هو في السير على طريق الله عز وجل من خلال التزام آيات كتابه العزيز وهدي رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه حينئذ سوف يتمكن من تخطي العقبات التي يمكن أن تواجهه.
وفي صدارة هذه العقبات القيود التي ألزم بها المسلمون أنفسهم؛ فإن كثيرا من العادات في أنماط عيشهم، وفي رؤيتهم وتفكيرهم المالي والاقتصادي، وفي تخطيطهم الاقتصادي، وفي علاقاتهم السياسية، وفي علاقاتهم الاجتماعية، بُنيت بأعراف وعادات موروثة بعيدة عن كتاب الله عز وجل، حتى بلغ الحال أنه يُظن أنها من الدين وليست من الدين في شيء.
نحن الآن في هذه الظروف، في ظروف صيام شهر رمضان في ظل بلاء ابتلى الله تبارك وتعالى به الإنسانية جميعا، وهو هذا الوباء المنتشر؛ فمن رمضان الفائت إلى رمضان المنصرم الأخير كم من زيجات حصلت، وإذا بنا نجد أن هذه الزيجات حصلت –بحمد الله تعالى– وتمت دون كثير من النفقات الباهظة والعادات التي ثبت لنا أنه يمكن لنا أن نستغني عنها، وأن الزواج –بحمد الله تعالى– يتم بيسر وسهولة وبأقل كلفة ممكنة.
كم من أحوال فيما يتعلق بالمشاركة في العزاء –على سبيل المثال– أيضا أمكن، وثبت لنا أن المواساة في مصاب، وأن تخفيف الآلام، وأن التعزية لأهل مصاب يمكن أن تحصل دون تكلف ما فيه مشاق ومضار.
كم من عادات فيما يتعلق بعلاقاتنا الأسرية، في التفاتاتنا إلى أسرنا وأولادنا، وفي تخطيطنا لنفقاتنا، وفي خروجنا وزياراتنا وإيوائنا إلى بيوتنا، ثبت لنا أنه يمكن لنا أن نتخلى عن كثير مما كنا نظن أن حياتنا لا تستقيم بدونه؛ فإذا الإسلام يدعو إليه وكنا نظن أنه من أحكام هذا الدين، وإذا نُبِّهْنا إلى أن ذلك ليس من الدين، وأنه من العادات، وأن علينا أن نحمل أنفسنا على سعة هذا الدين: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؛ كان البعض منا يظن أننا نعترض على أحكام الدين في حين أنه لا يفهم أحكام الدين.
وكذا الحال بالنسبة لبعض الجوانب الإيجابية –ليس في سياق التخلي، بل في سياق التحلي– في مواساتنا للمنكوبين ولمن كان أكثر تضررا، وفي وقوفنا معهم، وفي التفاتاتنا إلى أحوال المتضررين ممن تقطعت بهم السبل أو تضرروا كثيرا بسبب انقطاعهم عن الأعمال أو بسبب تسريحهم من الأعمال؛ فإذا بنا نجد أن هناك نماذج رائعة طيبة صالحة للاقتداء بها، تتفقد أحوال الناس وتسعى إلى تلبية حاجاتهم، وأن بعض المجتمعات أثبتت فعلا أنها متماسكة متآلفة متعاطفة متراحمة.
صحيح أن بعض المجتمعات الأخرى لم تكترث كثيرا، وهذا ينبغي لنا أن نعترف به، وأن هناك من الحالات لعلها لا زالت تتجرع الغصص دون أن ينتبه إليها المحسنون وذوو اليسار، وهذا بلاء من ربنا تبارك وتعالى، فيه فتنة: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾؛ هل نحسن العمل؟ هل نتفقد أحوال هؤلاء؟ هل نسعى إلى أن نتحسس أوضاعهم، وأن نبحث عن المحتاجين، وأن نسعى قدر ما نستطيع لنؤدي الذي علينا إلى هؤلاء؟ نعم، لنُظهِر لربنا تبارك وتعالى أننا –كما أرادنا– أولياء لبعضنا البعض، كالجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ما نرفعه من شعارات ومبادئ هي ليست مجرد نظريات، وإنما هو واقع يحياه المسلمون فيما بينهم حينما يتعرضون لمثل هذه الشدائد.
إذا هذه الأوضاع كلها كشفت أن المنهج القويم الذي يمكن للمسلم أن يحيا به في هذه الحياة، وأن يعيش زمنه المعاصر بكل ما فيه، لا يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يستمد من مصادره الأصلية من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويكفينا أن نلتزم قدر استطاعتنا بتطبيق ما أُمرنا به، بالتزام ما في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدر ما نستطيع؛ فإن أخذنا هذه الخطوات الأولى سيأخذ ربنا تبارك وتعالى بأيدينا إلى جادة الطريق.
علينا أن نتخذ هذه الخطوات الأولى حتى يوصلنا ربنا تبارك وتعالى –بمنه وفضله ورحمته– إلى سواء السبيل، ولكن أن نعرض، وأن نتنكب السبيل، وأن نتنقص من هذه الكنوز التي أكرمنا الله عز وجل بها، بما فيها من لآلئ وجواهر ودرر نفيسة يتطلع إليها الإنسان اليوم، ولكننا نعرض عنها ونتنقص منها؛ فلا ريب أننا سنظل في دوامة من التيه والحيرة والبحث وعمى الأبصار والبصائر، ولن نصل إلى نتيجة.
نسأل الله العافية.